للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: وأغرب من ذلك أن نساءهم تنهض في حال بعدهم وسفرهم بجميع ما يتوجه على رجالهم الغياب من الكلف والسخر السلطانية.

ومن ذلك: أن كل بنت حسناء تجمع من كل مكان ويحملن جميعًا في رأس كل سنة إلى السلطان فيختار منهن ما يصطفيه له ولأولاده، ويرد الباقي.

ومن أحسن الترتيبات وضعهم أمراء الألوف (١) والمئات (٢) والعشرات (٣) فهو أخبط نظام لما يحاولونه، وأسرع إفهام لما يطلبونه.

ومن جملة بأسهم: أنه إذا كان أمير في غاية القوة والفطنة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق والمغرب حتى أذنب ذنبًا يوجب عقوبة بعث إليه، ولو من أخسّ أصحابه من يؤذيه بموجب ما يقتضيه ذنبه، ولو كان في ذنبه ما يوجب قتله ألقى نفسه بين يديه ذليلًا، وأخذه الرسول بموجب جرمه حقيرًا كان أو جليلًا.

ومنها: أن كل أمير لا يتردد إلى سواه، ولا يتغير عن موضعه؛ فإن فعل ذلك عوقب أو قتل، لا يتردد إلى أحدهم أولاده.

ومنها: وضعهم البريد بكل مكان طلبًا لحفظ الأموال وسرعة إيصال الأخبار ومستجدات الأحوال.

وكان لجنكزخان عادة مستمرة؛ وإن كانت إلى الآن سارية في الأولاد وهي وفور الرغبة في الصيد والأمر به والركوب إليه في كل وقت يتفرغ فيه من القتال والمنازلة، وربّما اشتملت حركته على مسيرة ثلاثة أشهر، ويحافظ العسكر على ما تحويه تلك الحلقة، ويضايقون ما بين الخراكي (٤) والبيوت بالحبال. ولم يكن غرض السلطان من ذلك مجرد الصيد خاصة؛ وإنما مراده تمرين عساكره، واستمرار وامره، وإدمانهم على استعمال السلاح وسفك الدماء، وتغلب القوة الغضبية والمقاهرة على الأرواح.

ومن عاداتهم: أنه متى خرج من قبل واحدٍ منهم شيء من الصيود أدب بحسب ما يتقدم في أمره؛ بل ربما قتلوه.

ويسوقون تلك الصيود كسوق الغنم، وتتواتر الرسل إلى السلطان بصورة حالها


(١) أمير الألف: أي تحت إمرته ألف جندي، وهو عادة لا يقل عن (خان).
(٢) أمير المائة: أي تحت إمرته مائة جندي، وهو عادة لا يقل عن (بيك).
(٣) أمير العشرة: أي تحت إمرته عشرة جنود، ويسمى (أو نباشي) وأون بمعنى عشرة، وباشي بمعنى رئيس.
(٤) الخراكي: جمع خركاه، وهي الخيمة الكبيرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>