من يد أحد طعامًا حتى يأكل المطعم منه أولًا؛ ولو كان المُطعم أميرًا والمطعم أسيرًا ولا يختص أحد بالأكل وحده دون أن يطعم جميع من وقع نظره عليه ذلك الطعام، ولا يمتاز أمير بالشبع من الزاد دون أصحابه، بل يقسمون الزاد بالسوية، ولا يرمي أحد بالمأكول رميًا وقد قابل مناولة باليد، ولا يخطو أحد موقد نار ولا طبق زاد، ومن اجتاز بقوم يأكلون فله أن يجلس إليهم ويأكل معهم من غير استئذان، وإن لا يدخل الإنسان يده في الماء بل يأخذ ملء فيه ويغسل يديه ووجهه، ولا يبول أحد على الرماد، ولا يطأ عتبة الخركاه (١).
قال: وسمعت أنهم كانوا لا يرون غسل الثياب البتة ولا يميزون بين ما يميزه المسلمون في شيء من طاهر ونجس البتة.
قال: ومن قوانينهم التي ألفت منهم: أن لا يتعصبوا لمذهب من المذاهب على مذهب، وأن لا يفخموا الألفاظ والألقاب في كلام، بل يتلفظ باسم السلطان كما يسمى غيره، فيقال قد تقدّم قاآن أو خان بكذا وكذا، وأن لا يتعرضوا لمال ميت أصلًا ولو ترك ملء الأرض ولا يدخلونه خزانة السلطان.
قال: وأما ترتيب العساكر والقانون المقرر في ذلك فاعلم أنه لا ينقل في تاريخ قديم ولا حديث أنَّ عسكرًا اجتمع السلطان كثرة كما اجتمع لهم كثرة عدد وعدد وقوة وصبرًا وطاعة لسلطانهم إلا لأجل مشاهرة ولا توقع مال وجاه، بل لمجرد الطاعة حسب.
ثم إذا رجعوا من القتال وكرب الحرب إلى السكون والسلم أخذ السلطان منهم القلان (٢) والقبجور (٣) والأولاق (٤) والبدرقة (٥) من غير ضجر منهم ولا تأسف منهم؛ بل يؤدّونه إليه مختارين، ومتى تجهزوا لقتال عرضوا آلات الحرب وغيرها على أمرائهم حتى تعتبر أمراؤهم الخيط والإبرة، ويؤاخذونهم على تجويد آلة أو تقصير في سلاح.
(١) الخركاه بيت يسمى عندهم الخرفة، وهي عصى من الخشب يجمع شبه قبة، وتجعل عليها اللبود، ويفتح أعلاه لدخول الضوء والريح جعل البادهج ويسد متى احتيج إلى سده «رحلة ابن بطوطة ٢٠٠». وورد أنه: خيمة كبيرة، سرادق سلطاني. (٢) في هامش الأصل، القلان دراهم ترصد برسم الكلق مقررة على البلاد. وهي ضريبة كانت موجودة قبل القيجور تجبى من المسلمين وغير المسلمين. «تركستان ٦٥٦». (٣) القبجور: ضريبة تجبى بنسبة % ١ من المواشي، وتوزع على الفقراء والمعوزين. (٤) في هامش الأصل، «الأولاق: خيل البريد». (٥) في هامش الأصل: «البدرقة: في معنى البائزة، البائز: لوح البريد». والبائر: لوح من الذهب أو الفضة أو الخشب أحيانًا. «تركستان ٦٨٨ - ٧٣٨».