وإذا جرى القضاء على صعب سهله … وإذا أرادك الله لأمر هياك له
وقالا له: إنَّ السلطان أونك خان يتوقع لك الوقيعة، ويتربص لك الإحن الشنيعة؛ فخذ حذرك، وأصلح أمرك، فرحل من ليلته بأتباعه وجماعته، ودهمه أعداؤه سحرًا فلم يجدوا له أثرًا ولا عرفوا له خبرًا، ونفر العسكر ميلوه فلم يلقوه، وقيل: بل لحقوه فعطف بجماعته إليهم وقاتلهم حتى أتى عليهم وغنم مالهم؛ فلما جمع أتباعه وأقاربه وأعز مقامه وحمى جانبه ودب رجاله وآله، وبذل لهم قوته وماله، وخص بإحسانه ذينك الصغيرين دون الناس، وأنزلهما منزلة العينين من الرأس وسمّى كُلًا منهما ترخانا (١)، وكتب له أمانًا وفرمانًا (٢) بفراغه من جميع المؤن والكلف وتفرغه لانتهاز الفرصة، واقتطاف الطرف، وأن ينهب في الفتوح قبل كل ناهب، وليسلب قبل كل سالب ويدخل على يده عامة البيوت فلا يمنع، ويحكم فلا يدفع، وأن لا يؤخذ بذنوب كثيرة؛ ولو تكررت ذنوبه واستمرت عيوبه، وأجرى ذلك لجملتهما وأحادهما، وأن يستمر ذلك إلى سبعة أبطن من أولادهما.
ومن نسلهما الآن قوم لا عادية عليهم ولا لوم، محترمون عند الملوك، جارون على ذلك النهج المسلوك.
ثم شرع في الإحسان إلى جميع من رحل عن أونك خان وباعده واتصل به وعاضده، وأفشى فيهم الإنعام، وبثّ فيهم الإعزاز والإكرام حتى تتالوا إليه أفواجًا، وتواردوا إليه فرادى وأزواجًا.
وأولادهم الآن أقرب الأخصين وأخص الأقربين، فقوي بذلك أمره وإمارته واشتدت شوكته ومهابته، وراسل القوّاد فانقادت واستلان القلوب فلانت أو كادت فحينئذ جرد عسكرًا كثيفًا وتبعًا ولفيفًا لمحاربة السلطان أونك خان وأمده بآخر يتلوه فنازلته العساكر الجنكز خانية، فقتل في أقرب أمد وملك جنكز خان ما كان له من عدة وعدد.
ثم بعث جنكز خان إلى القبائل المتباعدة، والبطون المتباينة بما عرفهم به من حاله وعدله وبأسه وفضله وعلو شأنهم إن انضموا إليه، وتأييد سلطانهم إن عكفوا عليه، فتوالوا إليه كالسيل ورمل الفلا ورجل الجراد.
(١) ترخان: أو طرخان، طرخون، لقب يحمله أمراء وملوك تركستان. «جامع التواريخ ٢/ ١٧ هـ». (٢) فرمان: كلمة فارسية تعني أمر وحكم سلطاني، وتجمع فرامين وفرمانات «معجم الألفاظ العامية، لانيس فريحة ١٢٩».