ولا يرى في كل أمنيّة إلا كل مصطحب، ما غبَّ في السماء المرزم، ووقع العقاب على ثنية يقرع سِنَّهُ، ويتندَّم، وعلا النسر الطائف والواقع على آثاره وسائر طيور النجوم الحوم (١).
يقبل اليد الشريفة لا زال اعتِناؤُها أحد النجاحين وأحد السلاحين، وأقوى القوادم إذا جنى الحين حص الجناحين، ويقدم شكرًا يعجله كما يؤمله من نواله قبل سؤاله، ويرجوه بإمامه بجاهه أو بماله، بسبب ناصر الدين محمد بن الحمص أحد قدماء البندق، فقد علم ما جرى له مع رفاقه، وكساده عندهم بعد نفاقه، وانهم نَتَفوا ريشه ثم عادوا إليه ورشقوه، وأوقدوا له النار ثم جابوا الحمص الخزين وسلقوه، ثم إنهم لما سلقوه أكلوه بألسنتهم الحداد وطحنوه بسواعدهم الشَّداد، وهو المعتر الآن بينهم في غاية الاضامة، وقد تنقلوا بعرضه وجعلوه قضامة، وما تكلم في الجمع الذي جمع له، حاشا مولانا، إلا فشروه، وقالوا: نحن أخبر بك يا حمص ثم أنهم قشروه، وعملوا معه عمل رماة البندق حتى رموه في وسط الموجلة، وقرعوا من كل أحدٍ وخلوه لهم مشغله، وما رؤي من اكريحة (٢) الحمص إلا الصارخ ولا عرفوا قدره إلا بالكسوة فحصلوا القدرة وقدموا النافخ، وقد مضى عليه زمان وهو كبير الجماعة، وجائل القدر بينهم قبل أن يأكلوا الحمص بينهم هذا الأكل من المجاعة، وما فطن لهم وقد حطبوا عليه هذا التحطيب، فرد وأوقدوا جمرته وغطوا عليه القضيّة حتى طخوا (٣) قدرته، وصادفوا كل الطير بمعاداته، واستراحوا من الملق بابطال عاداته، وقد زَمِنَ المسكين من طول القعود، وندس لما لم يخرج إلى البرزات في الربيع، وقد دبَّ الماء في العود، وقد قتله طول الاختشاء وذهب عمره وما سُرَّ له قلب في وجه صباح ولا وجه عشاء، وكلما أراد أن ينطق قيل له أسكت لا تتكلم، وأستمر قاعدًا مكانك لا تتقدم، والمذكور له منذ طار بجناح المولى نجاح، وقد أصيب وله سوابق فيحمل بالسبق وبالجناح، وقد آن لهذا الزمن أن يقف على قدمه، ولهذا الطير المذبوح بلا سكين أن يسكن مما يتخبط في دمه، وسيقف مولانا على ما يرد من الجواب وما فيه وارد ويرى كيف تجمعت الرماة عليه ورموه بقوس واحد، ويعوزه عناية تحدّ لها هذه الطيور أعناقها، وتعجل له من أحواله المسترقة أعناقها، وذلك جمع يُجمع بالديار المصرية بحضرة الإمامة،
(١) ما بعده بياض في الأصل بمقدار نصف صفحة. (٢) كذا في الأصل، ولم افهم لها معنى. (٣) طخوه، رموه وأبعدوه.