للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

البندق وكان في حقه، وأقعده عن قدمته التي كان يمتُّ فيها بسيفه، وانتقل عنه غلمانه، ونقل عنه زمانه، ونودي عليه في جمع كبير يزيد على تسعين قوسًا، وخرج بخطأ بندقه خرجًا لابوسًا، ثم بعد مدة سنين توسل لولد الامير المرحوم سيف الدين تنكز (١) إلى أبيه، وتوصل به إلى مراميه، فأمر بأن يُرمى معه، وهدّد المخالف بالضرب، ولم يرم معه أحَدٌ يرضاه إلا خوفا أن يوقد عليه نار الحرب، فلما مَضَتْ تلك الأيام وانقضت تلك الأحلام جمع مملوك الأبواب العالية الامير علاء الدين أبي الابوبكري الحاكم الآن في البندق من رماة البندق جمعًا كبيرًا واهتم به اهتمامًا كبيرًا، وذكر أمر المذكور وأحضر بحضرة المسطور، فلم يكن عليه تعويل، ولا في حكم الحاكم المتقدم تعليل، ولا عند هذا الحاكم الذي دعى له وادعى عنده بحور الأباطيل، وتحقق أن الحق فيما حكم به عليه، فتبع وترجّح أن لا يقام معه من أقعد، ولا يوصل ما قطع، فنفذ حكم الحاكم المتقدم، واستمر بقعوده المتحتم، ووافقه على هذا سائر الرماة بالبلاد الشامية، وحكامها، ومَنْ يرجع إليه في الرماية وأحكامها، وبطلت قدمة المذكور التي ذهب فيها عمره متابعًا، وزمانه الذي لو اشتريت منه ساعة بالعمر لم يكن بائعًا، ولما ورد الآن هذا المرسوم الشريف زاده الله شرفًا، قبلوا الأرض لديه، وأوقفوا عليه حاكمهم المسمى فوقف له وعليه، وجمع له جمعًا لم يدع فيه من الرماة معتبرًا، ولا من يُلقم القوس وترًا، ولا مَنْ إذا فقد كالعين جرى ما جرى، ثم قرأ عليهم ما تضمّن، ودعوا لأمير المؤمنين، ولم يبق منهم إلا مَنْ دعى أو أمن، وتضاعف سرورهم بحكمه الذي دفع الخلل، وقطع الجدل، وقالوا لا عدمنا أيام هذا الحاكم الذي أنصف، والامام الذي عدل، وبقي ابن الحمص مثله، ونودي عليه أنه مَنْ رمى معه كان متخطيًا مثله، وَوَقَرَتْ هذه المناداة في كل مسمع، وقرت استقرارًا انفصل عليه المجمع، وذلك بما فهم من أمير المؤمنين ونص كتابه المبين، وبما قضى الله به على لسان خليفته الحاكم، والله أحكم الحاكمين، وطالعوا بها وأنهوا صورة الحال، ووجهوا في إمضائه الآمال، لا زالت سعادة أمير المؤمنين منزهة عن الشبه آخذةً من خير الدارين كل اثنين في وجه، تحصل كل رمية عن كثب،


(١) تنكز، سيف الدين أبو سعيد، من كبار الامراء، نائب الشام أيام السلطان الناصر، جلب إلى مصر ونشأ بها، فاشتراه حسام الدين لاجين، ولما قتل لاجين صار إلى السلطان الناصر وشهد معه بعض حروبه، ثم أرسله إلى دمشق نائبًا وعظم شأنه، وكان عادلًا حازمًا مهيبًا، ثم اعتقله الناصر وصادر أمواله وكانت كثيرة جدًا، ومات سنة ٧٤١ هـ،
انظر: الدرر الكامنة ٢/ ٦٠ والوافي بالوفيات ١٠/ ٤٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>