للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والنهار ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار (١)، وتتهيأ به وتتناهي المنابر ودور الضرب (هائل) (٢) يرفع اسمها على أسرة مهودها.

وهذه أعلى أسارير يقودها، فالخُطب والذهب معدنهما واحد، وبهما يذكر الله منهما مساجد، وهذه تقام بها الصلاة، وتلك تُدام بها الصلات، وكلاهما تُسْتمال به القلوب والأقلام على ما تعيه الآذان وتوعيه، وما منهما إلا ما تُحذف بجواهره الاخلاق وتميل إليه الاعناق، وتبلغ به المقاصد، وكلاهما أمر مطاع، وإذا لمعت بارِقَةُ الخطب طار للذهب شعاع، ولولاها (٣) ما اجتمع جَمْعُ ولا انضم، ولا عُرف الإمام ممن يأتم، ولولا الأعمال ما رتبت الأموال، ولولا الأموال ما وليت الاعمال، ولأجل ما بينهما من هذه النسبة قيل إن الملك له السكة والخطبة، وقد (٤) أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب، ويتداوله كل بعيد وقريب، ومختصره إن الله أمر بأوامر، ونهى عن نواه، وهو رقيب، وسيفرغ الألباء لها السجايا ويفرغ الخطباء لها شعوب الوصايا، وتتكمل بها المزايا، ويخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا، ويَسْمُر بها السمّار، ويترنم بها الحادي والملاح، ويرق شجوها بالليل المقمر ويرقم على جبين الصباح وتعطر (٥) به مكة بطحاءها، ويحيا بحدائها قباه، ويلقنها كل أب فهم ابنه، ويسأل كل ابن نجيب أباه، وهو لكم أيها الناس من أمير المؤمنين مرشد (٦) وعليكم بينة، وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل ربه من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة، ولولا قيام الرعايا ما قبل الله أعمالها، ولا أمسك بها البحر ودحى الأرض وأرسى جبالها، ولا اتفقت الآراء على من يستحق، وجاءت إليه الخلافة تجرّ أذيالها، وأخذها دون بني أبيه، ولم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها (٧)، وقد كفاكم أمير المؤمنين (٨) السؤال بما فتح لكم من أبواب الأرزاق وأسباب الارتزاق،


(١) إلى هنا ينتهي نقل السيوطي عن مسالك الابصار، وسيعود إليه بعد قليل.
(٢) كذا في الأصل، ولم أتبين لها وجهًا.
(٣) الأصل: ولولا.
(٤) منها يعود السيوطي في نقل النص عن المسالك.
(٥) في تاريخ الخلفاء: تعظ.
(٦) في تاريخ الخلفاء: من سدد.
(٧) تضمين لقول الشاعر في مدح المهدي العباس:
اتته الخلافة منقادة … إليه تجرّر أذيالا
فلم تك تصح إلا له … ولم يك يصلح إلا لها
(٨) في الأصل: كفاكم الله أمير المؤمنين.

<<  <  ج: ص:  >  >>