فتمكن بذلك من الهرب وبث الدعوة إلى أن أحكم أمره، ثم أتى البصرة حتى أبطل بناء بغداد، وأعدَّ الجهازات للهرب إلى خراسان لما رأى من إفراط إقبال الناس عليه، وإعراضهم عنه إلى أن هزمه عيسى بن موسى، وقتله في المعركة، فعاد المنصور إلى بناء مدينته، وقال: الآن عرفت رأسي أنّه لي، ولم يُخطب له بأمير المؤمنين إلا بعد مقتل أخيه، وكان خروج أخيه في سنة خمس وأربعين ومائة.
ومن كتاب تجارب الأمم: أنه قاسى شديدًا في اختفائه، حتى أنه أكل على موائد المنصور، ووَجَد في بيت مال البصرة ألفي ألف درهم، فتقوى بها وصارت له فارس والأهواز، وكان الملتقى بينه وبين جيش المنصور على باخمرا (١) من بلاد الكوفة فانهزم حميد بن قحطبة (٢)، وناشَدَهُ عيسى بن موسى في الثبات، فلم يثبت، ولم يبق معه إلا ثلاثة، واتفق من الحديث الغريب أن المنهزمين من جيش المنصور رأوا قدامهم نهرًا لم يقدروا على خوضه، فرجعوا، فظن أصحاب إبراهيم أنهم قد ردوا عليهم، فانهزموا بعد أن حصلوا على الظفر.
ومن شعره قوله في رقية بنت الديباج العكانية (٣)، وكان قد تزوج بها وكان كلفًا بها:[من الطويل]
رقية هم النفس لا ذقت فقدها … فها أنا ذا شوق لها وهي حاضره
وقالوا غَدَتْ شُغْلًا له عن أموره … ولو أبصروها لم يردوا معاذره
وقوله وقد اعتل أخوه (٤): [من الطويل]
شَكوت (٥) فعم السقم من كان مؤمنًا … كما عمّ خلق الله نائلك الغمر
فيا ليتني كنت العليل ولم يكن … عليلًا وكان السقم لي ولك الأجر
وقوله في رثاء أخيه (٦): [من البسيط]
(١) باخمرا: موضع بين الكوفة وواسط، وهو إلى الكوفة أقرب (معجم البلدان - باخمرا) وهي اليوم مدينة القاسم من أقضية محافظة بابل، وبعضهم يرى أنها قرب المسيب وفيها قبر ينسب إلى إبراهيم يزار. (٢) حميد بن قحطبة بن شبيب الطائي، من كبار قواد بني العباس، هو وأبوه وأخوه الحسن، ولي الجزيرة ثم مصر ثم خراسان، توفي سنة ١٥٩ هـ. ترجمته في الشذرات ٢٤٧٨ المعارف ٣٧٨ والعبر ١/ ٩٢ النجوم الزاهرة ١/ ٣٤٩ والوافي بالوفيات ١٣/ ١٩٩. (٣) كذا في الأصل، وأورد أبو الفرج له شعرًا في زوجته بحيرة بنت زياد الشيبانية (المقاتل ص ٣١٦). (٤) «البيتان في الوافي» (٦/ ٣٢). (٥) في الوافي: سقمت. (٦) «مقاتل الطالبين» (٣٤٢ و ٣٧٤) و «شرح ابن الحديد» (١/ ٣٢٤) و «كامل ابن الأثير» (٥/ ٢٢٢) و «مروج الذهب» (٢/ ٢٣٤) و «الحدائق الوردية» (١/ ٣٥٢) وفي بعض هذه المصادر أنه قالها متمثلًا.