للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إليه في خمس مراحل، وهو ماء عذب، ثم رحل إلى المدينة الشريفة صلوات الله وسلامه على ساكنها، وأخذ إليها في أربع مراحل، ثم سلك إلى مكة المعظمة جادة الطريق المعروفة، وهذه هي الطريق التي كان الركب العراقي يسلكها آخرًا وهي مذكورة في حجازيات شعراء ذلك الحين، وقد ذكرها الصرصري في مدائحه.

وجميع المياه التي بين بغداد ومكة المعظمة عذبة سائغة، إلا أجفر وعاج، فإنهما مملوحان، يردهما الإبل وبعض الحاج.

والذي أقوله: إن طريق الحاج من جهة العراق كان قد أوحش من السالك منذ أخذت بغداد وزالت الدولة العباسية، وتزلزلت قواعد الخلافة، إلى أن وقع الصلح بين سلطاننا أعزه الله ونصره وبين السلطان أبي سعيد بهادر خان بن خدابنده ، فكتب إليه السلطان أبو سعيد يسأله فتح طريق العراق، وبَرَزَ المرسوم الشريف الناصري إلى أمراء آل فضل وقبائل عنين طي وسائر العربان بأن تفتح الطريق، ويسهل السبيل للحاج العراقي من بغداد إلى مكة المعظمة، وكتب إلى ملك العرب أبي موسى مهنا (١) بن عيسى فمن دونه من أمراء آل فضل وسائر أمراء العربان، ومشايخ القبائل على اختلاف شعوبهم وقبائلهم بهذه المقاصد، ورُسِم لأمير آل فضل بأن يجهز مع الركب العراقي بعض إخوته أو أولاده يماشيه من الكوفة إلى مكة، ثم من مكة إلى الكوفة، ويتكفّل بخفارته في الطرقات والمنازل وكف الأيدي العادية عنهم، وكتبتُ من إنشائي توقيعًا شريفًا في قطع البغدادي الكامل في هذا المعنى، وتوّج بالعلامة الشريفة السلطانية، فسارعوا إلى امتثالِهِ، وعملوا على حُكْمِهِ، فحجّ الركب العراقي بخفارته تلك السنوات كلّها حتى تقضت بوفاة السلطان أبي سعيد، فانقطع ذلك المعروف، وتعطّل ذلك السبيل سنين ولم يعد يحجّ أحد من أهل تلك الآفاق، وسكان تلك الممالك. إلا من دمشق على ما كانوا عليه أولًا حسب ما نبهنا عليه فيسيرون في الركب الشامي تحت الصنجق المنصور الناصري، وفي صحبة محمله الشريف، وسبيله المبرور، ثم فتح لهم الطريق على مواد للعرب، وحجوا بدون ذلك الزي الكامل والمعروف الشامل.

فهذه جملة ما يتعلق بالطريق العراقي، ومسافات طرقه ومياهه المورودة.

وأما طريق اليمن إلى مكة المعظمة، فاعلم أن الركب يخرج من تعز فينزل البيتر. وهو في ذيل الجبل، ويأخذ إليه في مرحلتين، ويرد ماءه، ثم يرحل إلى وادي الحنا، ويأخذ إليه في ثلاث مراحل، ويرد ماءه، ثم يرحل إلى وادي الموز، ويأخذ إليه في مرحلة واحدة، وهو واد كثير الموز والشراب المسكر، وفيه العواهر، ويَرِدُ ماءه، ثم يرحل إلى جبل القليعة،


(١) حسام الدين مهنا بن عيسى بن مهنا الطائي ملك العرب، توفي بقرب سلمية سنة ٧٣٥ هـ وكان فيه خير وتعبد. انظر: شذرات الذهب ٦/ ١١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>