ثم لما كان بينهم الصلح، قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، ثم عاد قافلا، فأنزل الله سورة الفتح مبشرة بفتح مكة.
وقد ذكرت ذلك، ثم ما أعقبه من الفتح، فقلت: [الطويل]
وبمكة في الموطنين كلاهما … سبقت مكارمه ذنوب جناتها
في النوبة الأولى وقد أعطاهم … عهدًا بكف الريح عن هفواتها
ووفى لهم في عهد مكة مثل ما … غدروا فأصلاهمْ عَلى جَمَراتِها
والنوبة الأخرى أتاهم مُعْلِمًا … بكتائب طمت على شرفاتها
جند مزلزل كل طودٍ خيلُهُ … وتموجُ كالبحر في حركاتها
غرست بأعلى مكة راياتها … ولوامع القرآن من آياتها
وأتى ابن حرب نحوه مستأمنا … يا حُسنَ طاعته على علاتها
ثم خرج رسول الله ﷺ إلى خيبر، واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي، ودفع الراية إلى عليّ بن أبي طالب ﵇ وكانت بيضاء، ولما أشرف عليها قال: «اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير مافيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر مافيها، أقدموا بسم الله». قال أبو معتب: كان يقولها لكل قرية دخلها.
وأتوهم صباحا، فقالوا: محمد والخميس [معه] (١) وأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».
وتدني رسول الله ﷺ الأموال، فأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنًا حصنًا.
وخرج مرحب اليهودي (٢) وهو من حمير، قد جمع سلاحه، وهو يقول: [من الرجز]
قد علمت خبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مُجرَّبُ
أطعن أحيانًا وحينا أضرب
إذا الليوث أقبلت تخرب
(١) الخميس: الجيش لأنه خمس فرق: المقدمة، والقلب والميمنة والميسرة، والساق.
(٢) مَرْحَب اليهودي: انظر: «سيرة ابن هشام ٢/ ٣٣٣».