عليه حتى نستأصله، ثم أتو غطفان فدعوهم إلى ذلك، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين في بني فزارة، وخرج الحارث بن عوف في بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من أشجع (١)، فضرب رسول الله ﷺ الخندق على المدينة، وعمل فيه بيده ترغيبا للمسلمين، واعترضت كدية فأخذ المعول من سلمان الفارسي ﵁ فضربها ثلاث ضربات، تلمع كل واحدة، [و] زوى له فيها مشارق الأرض ومغاربها مما يبلغ ملك أمته.
وأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال (٢) في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد [حتى نزلوا] بذنب نقمى (٣)، إلى جانب أحد.
واستعمل رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم، وخرج في ثلاثة آلاف من المسلمين حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع (٤).
ولم يزل حيي [بن](٥) أخطب بكعب بن أسد القرظي يفتله في الذروة والغارب حتى نقض عهده، فعظم عند ذلك الخوف بالمسلمين، واشتد البلاء، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
وأقام رسول الله ﷺ وأقام عليه المشركون قريب شهر، لم يكن بينهم حرب إلا الرمى بالنبل والحصى.
وهم رسول الله ﷺ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة، فاستشار سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقالا: يارسول الله أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لابد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال:«بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم إلى أمر ما»، فقال سعد بن معاذ: يارسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، وحين أكرمنا الله بالإسلام
(١) أشجع: حي من غطفان من العدنانية، غلب عليهم اسم أبيهم، وهم بنو أشجع بن ريث بن غطفان «نهاية الأرب ص ٤٠». (٢) الأسيال: بقرب المدينة على مرحلة «القاموس المحيط ١٣١٥». (٣) نَقَمَى: موضع من أعراض المدينة، كان لآل أبي طالب «معجم البلدان ٥/ ٣٠٠». (٤) سلع: جبل بسوق المدينة على بابها «مراصد الاطلاع ٢/ ٧٢٧». (٥) حيي بن أخطب النَّضْري: جاهلي من الأشداء العتاة، كان ينعت بسيد الحاضر والبادي، أدرك الإسلام وآذى المسلمين، فأسروه يوم قريظة، ثم قتلوه سنة ٥ هـ/ ٦٢٦ م.