محمدًا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم سريعًا إلى مكة.
وقبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رأت عاتكة بنت عبد المطلب (١) رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة، رؤيا لقد أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك شر أو مصيبة، فاكتم عني ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا أنفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث وثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار منها إلا دخلها منها فلقة (٢). قال العباس: والله إن هذه الرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد.
ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة (٣)، وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه
(١) عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، تزوجها في الجاهلية، أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أسلمت بمكة وهاجرت إلى المدينة المنورة. ترجمتها في: الطبقات الكبرى ٨/ ٤٣ - ٤٤ طبقات خليفة بن خياط ص ٣٣١، المحبر ص ٢٧٤، ص ٤١٩ - ٤٢٠، أنساب الأشراف ١/ ٨٨، المعجم الكبير ٢٤/ ٣٤٤ - ٣٤٨، تلقيح فهوم أهل الأثر ص ١٨، أسد الغابة/ ٧/ ١٨٥ - ١٨٣ رقم ٧٠٨٠، نهاية الأرب ١٨/ ١١٢، عيون الأثر ١/ ٢٩٦، وسيلة الإسلام بالنبي ص ٦٦. (٢) فِلْقَهُ: بالكسر أي الكِسْرةُ، والفِلْقُ بوزن الرّزق: الداهية والأمر العجيب، «مختار الصحاح ص ٢١٤». (٣) الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب الأموي: أمير، من رجالات بني أمية، فصاحة وحلمًا وكرمًا. ولي المدينة (سنة ٥٧ هـ) في أيام معاوية. ومات معاوية، فكتب إليه يزيد أن يأخذ له بيعة الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، وكانا في المدينة، فطلبهما إليه ليلًا، قبل أن يشيع موت معاوية، فأخبرهما بما جاءه من يزيد، فاستمهلاه إلى الصباح، وقالا: نصبح، ويجتمع الناس - للبيعة - فنكون منهم. وانصرفا. وكان في المجلس مروان بن الحكم فلام الوليد على تركهما يخرجان قبل المبايعة، وقال: إنك لن تراهما! فقال الوليد: إني لأعلم ما تريد! وما كنت لأسفك دماءهما ولا لأقطع أرحامهما. وعزله يزيد (سنة ٦٠) واستقدمه إليه، فكان من رجال مشورته بدمشق، ثم أعاده (سنة ٦١) وثورة عبد الله بن الزبير، في إبانها، بمكة. قال ابن الأثير: ثم إن ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد، فكتب ليزيد: إنك بعثت إلينا رجلًا أخرق، ولو بعثت رجلًا سهل الخلق رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر وأن يجتمع ما تفرق؛ فعزل يزيد الوليد، وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وهو فتى غرّ حدث وظل الوليد في المدينة وحج بالناس سنة ٦٢ وتوفي بالطاعون سنة ٦٤ هـ/ ٦٨٤ م وقال اليافعي: «عين للخلافة بعد يزيد» فلعله كان قد سمي لها. وفي الأغاني خبر طريف عنه مع عبد الرحمن ابن سيحان المحارب وخبر آخر في «العقد الفريد». =