فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف (١) النصرة [وعمد إلى نفر منهم هم - يومئذ - سادة ثقيف] وأشرافهم، [وهم] إخوة ثلاثة، عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته والقيام معه فقال له أحدهم:(هو) يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا أرسله غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من [أن] أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم [و] قد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ [قومه عنه] فيذئرهم (٢) ذلك عليه، فلم يفعلوا، أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط (٣) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة (٤)، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه. وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي ﵇ من سفهاء أهل الطائف، ولقد لقي رسول الله ﷺ فيما ذكر - المرأة من بني جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟
فلما اطمأن قال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه
(١) ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، واشتهروا باسم أبيهم، فيقال لهم: ثقيف، واسمه قسي بن منبه بن بكر بن هوازن «نهاية الأرب ص ١٩٨». (٢) فيذئرهم: ذئر إذا اغتاظ على عدوه، واستعد لمواثبته «لسان العرب» ٣/ ١٤٨١. (٣) حائط: البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط وهو الجدار. «لسان العرب» ٢/ ١٠٥٢. (٤) عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أبو الوليد كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية. كان موصوفًا بالرأي والحلم والفضل خطيبًا، نافذ القول. نشأ يتيمًا في حجر حرب بن أمية. وأول ما عرف عنه توسطه للصلح في حرب الفجار بين هوازن وكنانة وقد رضي الفريقان بحكمه، وانقضت الحرب على يده. وكان يقال: لم يسد من قريش مملق إلا عتبة وأبو طالب، فإنهما سادا بغير مال. أدرك الإسلام، وطغى فشهد بدرًا مع المشركين. وكان ضخم الجثة، عظيم الهامة، طلب خوذة يلبسها يوم «بدر» فلم يجد ما يسع هامته، فاعتجر على رأسه بثوب له، وقاتل قتالًا شديدًا، فأحاط به علي بن أبي طالب والحمزة وعبيدة بن الحارث، فقتلوه سنة ٢ هـ/ ٦٢٤ م. ترجمته في: الروض الأنف ١/ ١٢١ ونسب قريش ١٥٢ و ١٥٣ والمحبر انظر فهرسته. وبلوغ الأرب ١/ ٢٤١ ورغبة الأمل ٢/ ٢٠٥ ثم ٣/ ٢٣٧، الأعلام ٤/ ٢٠٠.