للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، وهذا أبعد مما تعجبون منه؛ ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله وقال: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: «نعم» قال: يا نبي الله، فصفه لي فإني قد جئته. قال رسول الله : «فرفع لي حتى نظرت إليه»، فجعل يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر: أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئًا قال: صدقت أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى قال رسول الله لأبي بكر: «وأنت يا أبا بكر الصديق»، فسماه - يؤمئذ - الصديق.

ونعى إلى الناس فأخبرهم، فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط. قال: آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا فأنفرهم حس الدابة، فند لهم بعير، فدللتهم عليه، وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان (١) مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه، وشربت مافيه، ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تصعد من البيضاء (٢) ثنية التنعيم (٣)، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما سوداء والأخرى برقاء، فابتدروا الثنية فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءًا ماء ثم غطوه، ثم إنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه، ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا في الوادي الذي ذكر، وند لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه.

ومما قلت في المديح الشريف، أذكر الإسراء: [من البسيط]

كُفّا مَلامي وإلّا فأَكثِرا عَذَلي … فلستُ عنْ حُبِّ مَنْ أهوى بمنتقل

يا قاتلَ اللهُ ما نلقاه بعدَهمُ … قلبي المعنى ووجدي وهو أقتل لي

وإن تصبرت عن شيء فجعتُ بهِ … فلست أصبرُ مِنْ حُبِّ على مَلَلِ

قالوا ففي غيرهم شغل فقلتُ لهم … هذاك شغلكم [أنتم و] لا شغلي

إن كنتُ لم أبكِ جيرانا بكاظمةٍ … بكيتُ فيها على أيامنا الأول


(١) ضَجَنَانٌ: بالتحريك ونونين، وهو جبيل على بريد من مكة، قال الواقدي: بين ضَجَنَان ومكة خمسة وعشرون ميلًا «معجم البلدان ٣/ ٤٥٣».
(٢) البَيْضَاءُ: ثنية التنعيم بمكة. «معجم البلدان ١/ ٥٣٠».
(٣) التنعيم: بالفتح ثم السكون، وكسر العين المهملة، وياء ساكنة وميم، موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسرف على فرسخين من مكة وقيل على أربعة «معجم البلدان ٢/ ٤٩».

<<  <  ج: ص:  >  >>