للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والذي عليه العمل الآن قول المتأخرين. وكل ثلاثة أميال فرسخ.

وكل أربعة فراسخ بريد، وقد تقدّم القول في ذلك، ورأي القدماء أن حصة كل درجة من الدائرة العظيمة الأرضية، هي على رأي القدماء (١) ستة وستون ميلًا وثلثا ميل، وهي على رأي المتأخرين (٢) ستة وخمسون ميلًا وثلثا ميل. ولعل هذا التفاوت لميل المتحرّك على دائرة نصف النهار، أو لاضطراب الآلة المأخوذ بها الارتفاع، أو لخشونة الأرض المقيسة أو لاجتماع سببين أو أكثر أو غير ذلك. ولهذا تعذر الجزم بالقول القطعي بشيء، ولم يَبْقَ إِلاّ التقريب، وعملنا على قول المتأخرين أن حصة الدرجة ستة وخمسون ميلًا وثلثا ميل. وبَذَلْنا الجهد والطاقة في التقريب بما وَقَعَ من الجبر والمقابلة فيه مما يتجوز في مثلِهِ، ولم نعمل في الأطوال إلا بما هو والله أعلم أقربها إلى الصحة (٣)، مما يزكيه الفَهمُ ويَشْهَد به تقريب العقل المميز والحدس الصائب، بعد أن قلبت كتب الأطوال والعروض بطنًا لظهر، ورددت إليها النظر، وأوقفت عليها الفكر، وأطلتُ التأمّل لها والبحث مع أهل هذا الشأن إلى أن اتضح لي أقربها إلى الرشد والله يهدي سواء السبيل.

وإذا عرفت هذا، وأردت أن تعرف كيف استخرجنا ما بين هذه المدن من المسافات المقدّرة بالأميال والفراسخ فسنبينه لك وبالله التوفيق.

اعلم أن سواء الطريق هو أقصر خطّ يصل بين مدينتين، وحتى أردت أن تقدّر ما بين بلدين من الأميال والفراسخ على خط قوس من دائرة عظيمة على سطح الأرض وعرفت طوليهما وعرضيهما، فإما أنهما يتفقان في الطول ويختلفان في العرض، أو يختلفان في الطول ويتفقان في العرض، أو يختلفان فيهما أو يتفقان فيهما، فإن اتفقا في


(١) من أهم الأعمال التي تمت في هذا المجال ما قام به العالم (اراتوشينس) في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد، الذي وجد أن الدرجة الواحدة عند المركز تقابل ٧٠٠ اسطاديون، وهي وحدة قياسات إفريقية (انظر تاريخ الفلك ص ١٦).
(٢) رأي المتأخرين يقصد به ما قام به الفلكيون أيام المأمون، إذ أرسل جماعة من الفلكيين إلى برية سنجار. وهناك أخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات وضربوا في ذلك الموضع وتدًا وربطوا به حبلًا طويلًا ثم مشوا إلى الجهة الشمالية عن انحراف إلى يمين إلى اليسار، فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتدًا آخرًا. ولم يزل كذلك دأبهم حتى انتهوا إلى موضع أخذوا فيه ارتفاع القطب المذكور فوجدوه قد زاد عن الارتفاع الأول درجة واحدة، فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالجبال فبلغ ٦٦ ميلًا وسدس الميل، وكذلك عملوا في جهة الجنوب. انظر: الوفيات ٥/ ١٦١، ونهاية الأرب ١/ ٢٠٨.
(٣) في الأصل: (الحصة).

<<  <  ج: ص:  >  >>