للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالرياح على القبلة له شرطان: أحدهما أن يعرف مهبها، فإن الصبا تهب من نقطة الاعتدال الشرقية وهي مطلع الشمس عند استواء الليل والنهار، والشمال تهب من القطب الشمالي وهي عبارة عن نقطة مُتوهمة بين الجدي والفرقدين، ومن الفقهاء من يقول: هو نجم صغير، وليس كذلك، بل هو موضع من الفلك، وارتفاعه عندنا في هذه البلاد أعني ديار مصر ثلاثين درجة، ومقابله القطب الجنوبي منخفض عن الأرض ثلاثون درجة، والقطبان ثابتان لا يدوران والفلك دائر عليهما من الشرق إلى الغرب، وإذا فُرِضَ خط خارج من أحد القطبين إلى الآخر، وخط خارج من أحد نقطتي الاعتدال إلى الآخر تقاطعا على زوايا قائمة، ويسمى الخط الذي بين القطبين خط نصف النهار. والخط الذي بين نقطتي الاعتدال خط الشرق والمغرب، فهذا لابد لمن يقصد معرفة القبلة من معرفته، فإذا لم ير كوكبًا وهبَّتْ ريح وعرف أنها من أي الرياح هي، عَرَفَ جهتها وقد يخفى عليه بأن تكون الريح نكباء، وهي التي تهب بين جهتين، أو بأن تستدير الريحُ استدارةً تمنع من معرفة مهبّها، فلابد أن يكون الشخص مميزًا لذلك، وكثير من أهل التجربة يعرفون ذلك، فإذا ميّزه وعَرَفَه وغلب على ظنه استواؤها ومكان خروجها ضبطَهُ، وهي غلبة الجهات الأربع، فأنها أصل الأعمال كلها.

الشرط الثاني: أن يعرف بلده في أي جهة من جهات الكعبة، فإن مكان الكعبة شرفها الله معلوم، وهي ليست مبنية على تربيع الجهات ولا بين جهتين على السواء، وإنما وجه الكعبة شرفها الله تعالى وبابها إلى الشرق بشمال، وجهة الميزاب شمال بغرب، وظهر الكعبة غرب بجنوب، وبين الركنين جُنوبٌ مُشرِّق، وأقطار الدنيا محيطة بها، فديار مصر بين الميزاب والركن الشمالي، فهي شمال بغرب يسير، فإذا هبت ريح الشمال وجعلها المصلّي وراء ظهره سواءًا استقبل الجنوب فإذا انحرف إلى يساره قدر شبر إلا عقد، كان قد أخذ ظهره من الربع الغربي أكثر من ثلثه قليلًا، وحينئذ يكون مستقبلًا الكعبة، وفي كل بلد يصنع بحسبه، وكل جزء من الكعبة يمكن أن يحرّر إلى أي جهة هو وإلى أي جزء من كل جهة، وهذا يظهر في مكة على التحرير. فقال: هذا المكان يستقبل مثلًا مطلع الشمس وقت الاعتدال أو الدرجة الثانية منه أو الثالثة أو الرابعة، وهكذا إلى تمام ثلاثمائة وستين درجة، حتى ينتهي إلى المكان الذي بدأ فيعرف الجهات الأربع على التحرير، وكل ربع منها وكل درجة إلى أين ينتهي منه بحيث إذا هبت ريح من تلك الدرجة انتهت إلى ذلك الجزء من الكعبة. وكون بلده في أي ربع هو لا يخفى، فإذا عرفه وعرف مهب الريح من شمال أو جنوب أو صبا أو دبور فرض

<<  <  ج: ص:  >  >>