المحيط خرجت في الجانب الغربي من الشمال بتغريب إلى جهة الجنوب حتى قاربت بحر نيطش على خط ممتد إلى قبالة خليج البنادقة. ووقعت به جزر، منها جزيرة برطانيا. وجزيرة النساء وجزيرة الرجال وجزيرة الغنم، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا البحر في الإقليمين السادس والسابع، وليس هذان ببحرين، لا الزفتي ولا هذا، وإنما هما خرجات من المحيط في الكسوف من الأرض، إلا أنهما مستقلان.
وثم تنبيهات في معنى الأبحر نحن نذكرها: وهو أنَّ الشائع على الألسنة أن البحر الشامي هو خليج شقه الاسكندر من البحر المحيط، وليس الأمر كذلك، وإنما هذا من أغاليط العامة. وإنما كان البحر الشامي بحرًا منقطعًا مثل بحر طبرستان، فأراد الإسكندر أن يصله بالبحر المحيط لتصل مجاري السفن، ويمنع أذى أهل برّ العدوة عن الأندلس وبلاد الروم واليونان فشق بحر الزقاق حتى اتصل ما بينهما، وكذلك كان بحر نيطش بحرًا منقطعًا مثل بحر طبرستان فأراد الاسكندر أن يصله بالبحر الشامي لتتصل مجاري السفن فشق الخليج القسطنطيني حتى اتصل ما بينهما. ويقال: إن مراده بهذا اتصال مجاري السفن والفصل من بلاد الترك والروم أيضًا. وهذا أقرب فإنه ليس في إمكان مخلوق حفر هذا البحر الشامي. وإنما هو قدرة الخالق ومن قال غير هذا لم يُصب الصواب. والله أعلم. ومن الناس من زعم أن بحر نيطش له مخرج من الخليج، وهو قول باطل لا حقيقة له، وقد تقدمت الإشارة إليه.
وأما بحر طبرستان؛ فمن الناس من زعم أنه يتصل ببحر نيطش من تحت الأرض، وليس هذا بصحيح، وإنما هو إما من مدد الأنهار ويغير ماءها سوء التربة، وإما أن يكون مما لم ينكشف في وسط كرة الأرض، والله أعلم.
والبحر المحيط هو المسمى أوقيانس (١)، والخليج القسطنطيني يُسميه بعضهم بحر نيطش، ويسمى بحر نيطش بحر مانيطش، وقصدنا التنبيه على ذلك ليُعلم.
فأما البحر المحيط، فإنه لا يمكن ركوبه إلا لمن يمشي مع الساحل في بعض أماكنه دون بعض، وهو بحرٌ مظلم الدّوّ مُعْتِم الجوّ، مُعَتّم بالسحائب الجون، معتم لمضاحكة البرق المجون، تكاثف هواؤه، وتكاثر به قتر يقيح رواؤه، لا تشقق السحاب عليه ثيابها، ولا تفتح النجوم فيه أبوابها. دهره كله ظلام، وزمانه كله ليال لا يفرق بينها أيام، كأنما أظله الغراب بجناحه الغربيب، أو أحله الليل تحت وشاحه الغريب، لا وصول للنصول إلى حالك صباغه، ولا مقام للغمام عليه إلى حال فراغه، لا يتحلّل عليه البخار ولا يتخلل