محمود بن زنكي (١)، ثمَّ ثنّى صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب (٢)، وأقبل بكليته على اقتلاع شأفة الفرنج، ثم مات ﵀.
واختلفت أحوال الدولة الأيوبية، فما كان بَعْدُ إِلا ما حصل من المضافرة نوبة/دمياط، وناهيك نوبة أهانت عبّاد الصليب، وألانَتْ عودهم الصليب، ثم كانت فترةً وكادت تزيع قلوب البلاد بهم آخر مرة، ولو تطاول الأمر لارتد الناس كفارًا يضرب بعضهم رقاب بعض، ويكفّر كل منهم الآخر، فمنهم من سلّم إلى الفرنج القدس الشريف (٣)، ومنهم مَنْ سلّم صفد والشقيف. ومنهم من استنصر بالفرنج واستعان بعدوّ الإسلام عليه، حتى أتى الله بالملك الظاهر بيبرس (٤) البندقداري أثابه الله، فتحامل على ظلعه، وتحامى على ضرعه، وتجاسَرَ على توقيه ممن حوله من الأعداء، وجَزَعه، وتباكى للإسلام وشدّة الحذر تجفّف بلل أدمعه، وحاكى من تقدمه في قصد الفرنج على كثرة خوفه من بأس التتار وهَلَعِهِ، واستعاد ﵀ من الفرنج قلاعًا كثيرة، وأمهات
(١) محمود بن زنكي بن آقسنقر، ولي أبوه زنكي الموصل وديار بكر والديار الشامية للسلاجقة، وخلفه ابنه محمود سنة ٤٥١ هـ واتسع ملكه، واستعاد من الفرنج مدنًا وحصونًا كثيرة، بلغت واحدًا وخمسين مدينة وحصنًا، وأخباره كثيرة في الروضتين، والباهر. (الكامل لابن الأثير) وسنى البرق الشامي ١/ ١٥٣، ووفيات الأعيان ٥/ ١٨٤، والوافي بالوفيات ٢٥/ ٢٧ ودول الإسلام البهية ص ٢٢. (٢) صلاح الدين، يوسف بن أيوب بن شاذي، ولي مصر لنور الدين محمود بن زنكي، ثم أزال الفاطميين واستقل بملك مصر، ثم أخذ البلاد الشامية بعد موت نور الدين زنكي، وحارب الفرنج واستعاد مدنًا وحصونًا كثيرة. واستعاد بيت المقدس، وأخباره كثيرة في كتب التاريخ. وانظر: مفرج القلوب وشفاء القلوب في مناقب بني أيوب وغيرها. (٣) سلم الملك الكامل محمد بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي القدس لملك الفرنج سنة ٦٢٦ هـ مقابل أن ينزل عكا ليشغل أخيه الملك المعظم. انظر: مفرج الكروب ٤/ ٢٤١، وشفاء القلوب ص ٣١٠. (٤) الملك الظاهر بيبرس، ركن الدين أبو الفتح الصالحي، ولد بأرض القبجاق سنة ٦٢٥ هـ. وأُسر وبيع في سيواس وحمل إلى القاهرة واشتراه علاء الدين البندقداري، ثم أخذه نجم الدين أيوب، فتقدم عنده. فلما مات نجم الدين وقتل المعظم وولى عز الدين ايبك خرج عليه. ثم ذهب إلى الملك الناصر صاحب الشام. فأعطاه إقطاعًا بحلب ثم الكرك، ثم ذهب إلى مصر، وعاد إلى الناصر، ثم إلى مصر، وتجهز معه لقتال التتر في عين جالوت. ثم استولى على مصر إلى أن مات سنة ٦٧٦ هـ. انظر: فوات الوفيات ١٠/ ٣٢٩، ودول الإسلام الشريفة البهية ص ٣٧، وعيون التواريخ ٢١/ ١٣٥، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٧٤، وشذرات الذهب ٥/ ٣٥٠.