وأما ما أقوله: فهو أن شوكة الفرنج الملاعين قوية لا يقاوم حمتها سنان، ولا يقاول على دفعها مالك قلع ولا عنان، ولقد كانوا في سواحل البلاد الشامية لا يذهب بكرة ولا أصيل إلا ولهم في أطراف البلاد غارة شعواء، وببروج الآفاق الإسلامية منهم نابحٌ عَوّاء، وعَظُمَتْ بليّة المسلمين بهم تلك السنين الشداد، وبقيت مئين تارةً في نقص وتارةً في ازدياد، حتى أزعجوا أطراف دمشق عن مستقرّها، وأحوجوا أهلها إلى الدنية في دينها، وقَرَّرُوا عليهم مالًا فُرِض على بيوت الأموال وأرباب الأملاك والتجار، وكانت ملوك الشام تستأديه وتحمله إلى الفرنج على سبيل القطيعة، ووَقَفْتُ على عِدّة مناشير وتواقيع وجرائد قديمة يُذكر فيها ما على الإقطاعات والأملاك من وجوه الخراج والحقوق، وقد كتب فيها من كذا كذا ومن كذا كذا، ومن قطيعة الفرنج كذا، فرأيتُ توقيعًا لابن الصوفي رئيس دمشق بمسامحته بما على ملكه من قطيعة الفرنج، وكان الحال مع الفرنج بالشام على هذا وأشدّ، ثم دب دبيبهم إلى مصر، وأرادوا في أواخر الدولة العبيدية انتزاعها، ثم قرّروا عليها القطائع، ورتبوا في وقت على أبوابها الشحاني، إلى أن أنقذ الله مصر على يد أسد الدين أبي الحارث شيركوه ﵀ من هذه البلية، وغسل عنها بسيوفه العار، ودفع عن تاريخ ملكها هذه السبّة. وكانت إلى أيام الشهيد نور الدين أبي القاسم محمود بن زنكي ﵀ دمشق في وهاد هذه الرذيلة وتحت سجوف هذه النقيصة، تصل غارات الفرنج إلى أسوار القلاع، وتخطفُ من أبواب إلى أن نبّه الله لهم ملوك الإسلام وأرسل إليهم خيلهم في اليقظة وخيالهم في الأحلام، فوالوا قصدهم مواشات وغارة، ومناوبات في الحرب تارةً وتارة، وكانوا مع كَلبِ كلابهم واستئساد ذئابهم لا يقابلون إلا في حصار، ولا يقاتلون إلا في قرى محصنة أو من وراء جدار، تحبسهم البغضاء مقتًا، وتحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، إلى أن قلع الله قليعتهم، وقطع قطيعتهم، وطهّر بسيوف الإسلام نجس شركهم، وَدَنَس إفكهم، فأنزلوا من صياصيهم، وعُزِلُوا للجرّ إلى مصارع الحتوف بنواصيهم، فأخذت منهم الممالك، ونُبِذَتْ مُنتهم في المهالك، وقدّموا جزرًا للسيوف أو للأسار وجُملًا للحتوف أو للفرار، وتَنَجَّزَ الدين الحنيف بها فتحًا قريبًا، وعاد الإسلام إليها غريبًا كما بدأ غريبًا، وامتدت أصابع صوامعها بالشهادة، وخَضَعَتْ جباه بيعها بهذه البشرى وتوخت الزيادة، وتبدلت النواقيس بالأذان، والنواميس الموضوعة على الإنجيل والقرآن، وعلت المحاريب، وخَرَّت المذابح للأذقان، وقامت بها قامات المنار، وقصفت أصلاب الصلبان. وأوّل ما شَرَعَ في ذلك الشهيد نور الدين أبو القاسم