هذه البلاد أطراب وأشجان، وعليه أيام ليال ليس فيها هجان، ولهم عليه بساتين وغراس، وفواكه شتى تتلاعب غصون أشجارها بكل فرع أثيث، وتتمايل كأنها تميل لبت شجو أو تصغي لحديث، وبينها فيما ارتفع عن مجرى النهر دواليب تساعد الكئيب على شجنه، وتبكي قواديسها وتئن معه حزنًا لحزنه، ولهم فيها مربع ومصطاف، ومرتع واقتطاف، ويخرج في أعيادهم وشعانينهم القسوس والرهبان، وتفرش أرضها بالديباج والصلبان، ويخرج الأرغل وآلات الطرب، وتغني لهم وتذكر وقائع سلفهم مع العرب، وتتأسف على خروج ملك الشام عن أسرتها، وانتزاع أرضه من تحت أسرتها ولهم في ذلك ومثله أشعار يُغنّى بها عن جلوات عرائسهم وخلوات كنائسهم، ويُناحُ بها في المحافل والمجامع، ويباحُ سِرُّها المصون عندهم لكل سامع، قل موتوا بغيظكم.
وأما اللنبرد، فَمَلَكَهُم مَلِكان الواحد في مدينة بنفرا، والآخر في مدينة فرارة، وملك بنفرا في وقتنا هذا هو رومي من ملوك القسطنطينية اسمه مركيز، وهو عم صاحب القسطنيطينة القائم الآن، واسم هذا صاحب القسطنطينية أندرنيكوس بن كرميخال. وهذا مركيز صاحب بنفرا هو أخو كرميخال. وعساكر بنفرا من اللنبرد نحو خمسين ألف فارس، فرسان برار وبحار، وقنطاريّات تُقبَّن بالقبّان وتوزن بالقنطار، تكلّب فرسانها بسلاسل الحديد حتى لا تجد سبيلًا إلى الفرار.
وأما فرارة فعساكرها نحو ثمانين ألف فارس، من جملتهم عساكر برغنون، فإنها تحت يده وفي حكمه في مصدره وموردِهِ، قد استخدمهم صاحب فرارة واستجاش بهم في حروبه وملاقاة أعدائه، وأهل هؤلاء البرغون من طوائف اللمان، ولا ملك لهم ولا للأبنروز ملك اللمان حكم عليهم. وأهل اللنبردية فرسان خيل لا تعرف البحر ولا تركبه، ولا يذل لهم صهوته، ولا يُقاد مركبه، وإلى صاحب هذه البلاد ينضاف برغونية الفرنج، وبهم تصاف الأعداء، وبحجة سيوفهم يُحتج.
وأما سيسرين فملكهم يُسمّى الريفر دريغ، وهم قوم بحارة، لا مجال لهم في البرّ، ولا على ظهور الخيل، فأما إذا ركبوا البحار وادرعوا من السفائن مدارع من قار، اقتادوا أزمة الرياح، وطلعت بصوارمهم في الليل تباشير الصباح وجاز البحر أصطولهم شرقًا وغربًا، وجال بُعْدًا وقربًا، وأزمَعَ به سُدًى في كل مكان، وأزْعَجَ كل قاعد على رِجْلٍ وساكن على سُكّان، وحاز ما هم به في البحر نهبًا، وجار على ما جاراه وأخَذَ كل سفينةٍ غَصْبا، وأما البنادقة: فلا ملك لهم، وإنما حكمهم كمون، وهو