وهي عوابس، والرماح يورق عودها وهو يابس، والسهام تتساقط وكان الرنح (١) في كل منها شعلة قابس، ولا يهاب وبين الفريقين رؤوس قد أينعت لقطاف، ونفوس أَزْمَعَتْ لاختطاف، وقد ابتلى طوائف بني الأصفر من هذا الملك وأتباعه بِبَلِيَّةٍ لا تُطاق، وحمية لا تذر معها رؤوس في أعناق. وهو مع ما هو عليه من هذا الجبروت، والإخلاد إلى الخلود حتّى كأنه لا يموت، يعم رعاياه بالعدل والإحسان، ويكف عن التعدي عليهم كل إنسان، حتى إن نوابه وكنوده وعساكره وجنوده وجموعه وحشوده. لا يستطيع أحدٌ منهم أن يظلم أحدًا من الرعايا، ولا يحيفُ عليهم فيما قلَّ ولا كثر، ولا يغصب لهم ما عز ولا ما هان، وهم معه في رفاهية أمان، وعدلٍ لا يتغيّر، وعد من الفضل لا يتكدر، وهم به في طمأنينة زائدة، وحماية وارفة، وبهذا اتسَعَتْ ذات أيديهم، وكثرت أموالهم، وزادت نِعَمُهم، وعَمُرت أوطانهم وبلادهم. وكُبِتَتْ أعداؤهم وحسادهم، وطابَتْ أوقاتهم. يقال: إنهم في راحة الدنيا ومَنْ سواهم في تعبها، وإنهم تجيئهم الفوائد، وغيرهم لا يجدها وهو يجد في طلبها.
وأما ملك ابرنسة: وهو الريدريت، وهو من بيت الريدفرنس، فهو صاحب تخت وتاج، ومال ملو قلاع وأبراج، وعساكره لا تُعدّ،، وهي دون ما للريدفرنس. ولكنهم بأنواع الحروب أمس، فإِنَّ فيهم فرسان بَر وبحر وسفن وخيل، وسراة نهار وليل، وله أصطول لا تُحَطُّ قلوعُهُ، ولا تحلُّ في غير ميناء عدو جموعه، ولو شاء لَعَمَّر ألف غراب، وحام بجناحها في الخافقين ومدَّ لها الأسباب. وإنما هو بالقتال في البر وعلى ظهور الخيل أكثر ولوعًا، وإلى ما قرب إليه دون ما يعد أشد نزوعا.
قال: وهذا الملك القائم بها الآن ممن صَحَّ مَعَه علم الكيمياء وعمل بيده الذهب، وادخر منه ما لا يُحصى ووهب، وبلاده قد ثَقِلت ظهورها بحمل الكنوز، وتفسخت بها أبراج مع كثرة ما يهب منه وقلة ما يجوز، وبلاده يعتنقها نهر لا يفارقها طورًا يُقبلها وطورًا يعانقها، وعليه من جانبيه خمائل، كأنه نصل سيف تعلق بحمائل، تتوقد غالب السنة بها مجامر الزهر، وتتوقَّلُ قُضُبُهُ المائِسة على ديوان النهر، يأخُذُ بمجامع مَنْ أناخ بها ركابه، وضرب على هضبها قبابَهُ، وقد تفتح نوارها وفاح رياه العطر، وتسرح ماؤها وتدفّق جدوله المسبطر، وتروّح قضيبها وترنّح وماس قده المتأطر، وعلى سماء ذلك النهر في مواضع كثيرة منه نجوم مناظر، يحوم عليها نظر كل ناظر، وهو نهرٌ لا يكتم الماء حصباه، ولا تخفى قلائد الحصباء أجياد رباه، ولأهل