للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تروّع الطيف في المنام، وتروّض كلّ أرض بمساقط جثث وهام، لا تحصى عدد جيوشه … ولا تُحْصَرُ، ولا جمع مثلها كسرى وقيصر. وهم تتار الفرنج في كثرة الخلائق وشدّة الباس، وأثرة المضايق وطول مدة المراس.

وقال المستفيض: عندنا أن له ثلاثمائة كند، للكند منهم من العسكر ما بين ثلاثين ألف فارس إلى خمسة آلاف، فارس، ومنهم من يصل إلى مائة ألف فارس، وكل كند للآخر في القوة والأيد يُنافس، وعندي فيما قاله نظر، وقال: وطائفة اللمان لا تعرف البحر بالجملة الكافية، ولا لَهُمْ فيه غربانٌ مُسِفَة ولا كافية، بل هم أهل بر كالعرب، رحالة نزالة ومدنهم مدن بر لا أسوار عليها، ولا تُحصن بسوى المقاتلة لها، وهم أهل بأس شديد كأنهم خُلِقوا من حجارة أو حديد، ولقد قصد الشام فيما سلف منهم طائفة جاءت من بلاد الروم على الدروب، ثم رماهم الله بالهلاك وسرعة الآجال، ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١).

وبلاد اللمان كأنها بلاد العرب في اتساع البر وتنقل أهله فيه، وتخلل سكانه جميع خلال دياره ونواحيه لكنه أندى من بلاد العرب أرضًا، وأوفق للمسرات، وأرض بلاد ترب وفواقع حصباء، لا بلاد سباخ ورملة شهباء، فيها كل مرج تزهر قناديله، وتظهر من دمى الكنائس تماثيله، ويُسرِّحُ فيه الطرف نَظَرَهُ، ويُرَوِّحُ فيه الطرف مُحضره، يهب نسيم كأنه بالعبير مضمخ أو بالمسك مُلَطَّخ، تتلوّى بها أنهار كأنها سرائر عشاق، وخمائل تلتف الساق بالساق، وحولها أشجار تتباعد وتتقرَّب، كأنها طالبة عناق، وأطيار تسكب وتتجاوب كأنها مُنافسات ابن جميع وإسحاق، وهناك نزهة في أوقات الربيع لا يتخطاها، وتُقضى بها لذات في غيرها لا تتعاطاها.

وطوائف اللمان مع ما هم عليه من إباء أنوف وأنباء سيوف، وخوض نجيع وخوف عار لا يبيت معه لهم غمد. وهو لسيفه ضجيع لهم بالطرب وأهله غرام واكتئاب، وهيام وانتياب.

وملك اللمان ممن قهر الريدفرنس وغَلَبَهُ، وليس من التاج ما سلبه، وابتر تخت الملك وقَعَدَ عليه، ونَظَمَ الممالك واطاعَتْ ملوكها له، وخَضَعَتْ هيبةً لديه. وليس الآن في ملوك الفرنج أعلى منه رايةً نرجو أن تنكس، ولا أسْلَطَ من جنوده أباليس نؤمل أن تُبَلس، ومن عادته أن يباشر الحروب بنفسه، ويقاتل بسيفه ويتلقى بترسه، ويقتحم الهيجاء والخيل تحمل بفوارسها والقسيّ تَفْتَحُ أفواهها لأكل فرائسها، والسيوف تتبسم


(١) سورة الأحزاب: ٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>