للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غير مشروف، فتلا السلف وجلا السدف، ونابذ صناعة أبيه، وكان أي صدر، وفلك طلع منه بدر، ولم يزل عينًا للنظر، وزينًا إذا حضر، يُحمد منه الصاحب الجليس، والمصاحب الأنيس، ترتضع من أخلاقه المدام، وتتجافي المسامع منه الملام، وولي أعمالًا، وأوتي مالا، وأسمعته المسرات فطرب، وصفت له الليالي وغدران نجومها فشرب، وترك الرذائل لأنكاسها، والعواذل لجام الثريا وكاسها، ولزم ابنة الدرس فنفح لعنصره طيبًا، وصنع بمنبره خطيبًا. ولم تقصر به همة رمت ببصره إلى السماء، ورقت به إلى النجم سلّما فلمع شهابًا ولمع رداء الأيام التهابًا، وأسمع بخطبه فدخل القلوب طواعية، وأخذها انتهابًا، وكتب إلى صاحبنا الشيخ شمس الدين الزمردي النحوي من خطبة ومنها قوله:

أيها الناس، قد رحل شهر الصيام، وهذه الأيام البيض من شهر الحج إلى بيت الله الحرام، أين من زهد في المقام، وعمل على وصلته إلى المقام، أين من زمزم له حادي الشوق فقام في الله حق القيام، أين من يحطم بالحطيم ذنوبه وأوزاره أين من يبرد بماء سقاية العباس حرّه ويُطفئ ناره؟ أين من يبيض وجهه بلثم الحجر الأسود ويُجر سحائب الدموع؟ أين من يلتزم الملتزم بذل وخضوع؟ أين من يقبل عتبة البيت المرفوع؟ أين من يربي نفسه في الحجر ويردد زفرات أنفاسه؟ أين من يتيمن بالركن اليماني والتماسه؟ أين من يباهي الله به الملائكة عند كشف رأسه؟ أين من يرتفع على الصفا، وينهج بالشعائر، ويعلن؟ أين من هرول إلى المروة وسعى لها سعيًا وهو مؤمن؟ أين من عمل على بلوغ المني بمنى، أين من تعرف إلى الله في عرفات الهنا.

وقوله من أخرى:

تا الله أيها الغافل، قد نصحت لك وأوضحت لديك، فالدهر يومان، يوم لك ويوم عليك، وأيم الله، إن الخطاب للخطيب لأنفع، ولكن لعلة من قلبه الكسير يصدع، فلربما أبرأ الطبيب السقيم سقيمًا، وهدى الأعمى صراطًا مستقيمًا.

وقوله:

الحمد لله الخالق فلا يُعاب، ما صنع الرازق، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، العظيم الذي أعلى منازل الإسلام ورفع، الحكيم الذي ألف أشتات القول على طاعته وجمع، واحتجب عن العيون في سرادق سرّه المصون وامتنع، أحمده حمد من ذلّ لعزّته وخضع، وأنار في قلبه ضياء التوحيد ولمع، وأشكره شكرًا إذا ذكره القلب خشع، ومنى بأمله الطرف همع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك

<<  <  ج: ص:  >  >>