للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ألسنة الأقلام. افتر ذلك الثغر عن درة النسيب. واغتر من شبهه بثغر الحبيب، جرى هو والبحر في طلق، وسرى هو والسحاب لما انطلق، واكتمل كالبدر واتسق، واشتمل بملاءة الفجر وجاءا في نَسَق، وكان مكثرًا مجيدًا مؤثرًا الآن لا يزال يحلّى مسمعًا وجيدا، بخاطر اجمع للمعاني من المشكاة للأنوار، وأجود بالكلام من الغمامة بالأمطار. وألف كتاب المقتفى، تبع فيه الشفاء للقاضي عياض (١). كأنما يسرح منه في أرض رياض، نحا فيه منحى غريبًا، ووجد برسول الله فيه نصرًا وفتحًا قريبًا، بناه على ذكر المعراج وحيث صعد وعاج، وذكر مناسبات بين حاله وأحوال الأنبياء الذين لقيهم في كل سماء، قارب في جميعها المعنى، وناسب في تنويعها واستدنى، أبدع في هذا الكتاب وأبعد عرض فكره وأصاب، ولم يخله من عبارات أعارها النحل مجاجها، وأدنت لها البيداء الفسيحة فجاجها، وأطلعت في مشارق الأفهام صباحها، وأترعت في شوارق المدام أقداحها. وأتى في ديوان خطبه بما شهد له بالاقتدار على الإبداع والابتدار إلى أشرف ما يحل الأسماع، إذن بفضل جم، وعلم جلّ أن يقاس بغمام أو يماثل بيم، ومع هذه الفضائل التي جذبت بضبعه، وجلبت فرائد البدر إلى جمعه. رمي بنكبة (٢) لبس أطمارها، ولسب مقبله منها عقرب لم يكن يتوقع صرارها، وهي منهج الدهر العثور، وصرعة الكرم التي لا تثور، ومن لمح خطبه ولمح أدبه قوله:

الحمد لله، ثم الحمد لله قاطع الأعمار بخناجر الأهلة، ملق الليل على النهار لا حسار (٣) لا بالعلة، مقيم الأدلة بالأهلة، عن أن الدنيا مضمحلة، أكرمك يا ابن آدم فاشكر نعمه الجزلة، فليل ريع الملك مثل المظلة، لا يطيب مده ولا عمد أهله، رصعه بالكواكب ليعلم عدد السنين والحساب تفصيلًا وجملة، فسبحان من فصل بين الأنام فجعل شهرًا وشهرًا كالفصلة، شهره الذي عظمه وأجله، فحرمته في الجاهلية والإسلام غر مستحلة. أحمده ومحامده من بدائعه مستملة، وأشكره ونعمه على الشاكرين


(١) القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، عالم المغرب وإمام الحديث في وقته، ولي قضاء سبتة وغرناطة، له الشفا بتعريف حقوق المصطفى وإليه أشار المؤلف، مات سنة ٥٤٤ هـ. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٨٣ وقلائد العقيان ٢٢٢.
(٢) وهي هجوم جماعة على داره سنة ٦٨٠ هـ ومعهم قناني خمر، ووضعوها في داره. وادعوا أنهم وجدوها عنده، فأخذوا منه أكثر مناصبه، وبعد ذلك توجه إلى القاهرة، وسعى في الذين سعوا به إلى الأمير علم الدين الشجاعي وإلى السلطان الملك المنصور، ونال من بعضهم غرضه، وأعيدت إليه ولاياته.
انظر: عيون التواريخ ٢١/ ٣٤٩.
(٣) كذا في الأصل، ولم أعرف لها وجهًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>