للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شعرًا معانيه أجلى من الصبح، وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح، ونَبَتْ به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها، فخلع أهلها، وودع ماءها وظلها. وحدثت أنه شيعه يوم فَصَل من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية.

وفي ذلك يقول (١): [من الطويل]

سلام على بغداد في كلِّ موطنٍ … وحُقَّ لها مِنِّي سلامٌ مُضاعَفُ

فوالله ما فارقتها عَنْ قلّى لها … وإني بشَطَيْ جانبيها لَعَارِفُ

ولكنها ضاقت عليَّ بأسرها … ولم تكن الأرزاق فيها تُساعِفُ

وكانت كخِلٍّ كُنْتُ أهوى دُنُوَّهُ … وأخلاقه تنأى به وتخالف

ثم توجه إلى مصر فحمل لوءاها. وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب وانثالث في يديه الرغائب، فمات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها، زعموا أنه قال وهو يتقلب ونفسه تتصعد وتتصوب: لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا.

وله أشعار رائقة ظريفة فمن ذلك قوله (٢): [من الطويل]

ونائمة قبلتها فتنبهت … فقالت تعالوا نأخذ اللص بالحد

فقلتُ لها إنّي فديتكِ غاصِبٌ … وما حكموا في غاصب بسوى الرد

خذيها وكُفّي عن أثيم ظُلامتي … وإنْ أنتِ لم ترضي فألفًا على العد

فقالت: قصاص يشهد العقل أنه … على كبد الجاني النُّ مِنَ الشَّهْدِ

فباتت يميني وهي هميانُ خَصْرِها … وباتَتْ يساري وهي واسطةُ العِقْدِ

فقالت: ألم أُخْبَرُ بأنك زاهد … فقلت بلى ما زلتُ أزهد في الزهد

ومن شعره (٣): [من البسيط]

بغداد دار لأهل المالِ طيبة … وللمفاليس دارُ الضَّنْكِ والضيق

ظَلَلْتُ حيران أمشي في أزقتها … كأنني مُصحف في بيت زنديق


(١) الذخيرة ٤/ ٢/ ٥١٦، ديوانه ٥٠ ٥٢.
(٢) الذخيرة ٤/ ٢/ ٥١٨، ديوانه ٢٥ - ٢٦.
(٣) الذخيرة ٤/ ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦، ديوانه ٣٥ - ٣٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>