وكان هارون الرشيد لا يرجع إلا إليه، ولا هجع جفن طمأنينته إلا لديه، لما يعلمه منه من فضل جل عن الذكر، ودق عن الفكر؛ لأنه ما نظر في علم إلا انفجر … فلقه، وانفرج غلقه ملأ نشره الفضاء، وتلألأ بشره فأضاء، وأشارت إليه الأصابع بالأنامل، وأثنت عليه بالصنائع الجميلة الأرامل وانتصب لنصر المرسل، فكفي مؤنة النصال، وشفي من الداء العضال، وقمع الفئة الباغية، والطائفة الطاغية، بتثبيت تزل الجبال الشم، وهو لا يتقلقل، وتنتقل الصخور الصم وهو راسخ لا يتنقل، فما ورد العلماء حتى صدر، ولا مشى القدماء قدمًا حتى تبين لهم منه الأثر، ولا ركب بنانه القلم حتى قيل إنها لإحدى الكبر.
أخذ القراءة عرضًا عن نافع بن أبي نعيم، والعلم عن ربيعة الرأي، ثم أفتى معه عند السلطان.
قال ابن وهب: سمعت مناديًا ينادي: ألا لا يفتى الناس إلا بفتيا ابن أنس وابن أبي ذئب.
وكان مالك إذا أراد أن يُحدث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث. فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدث إلا مستمكنًا على طهارة.
وكان يكره أن يحدث الناس على الطريق أو قائمًا أو مستعجلًا، ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ، وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه، وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ مدفونة.
وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة، والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي، وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فقيل له في ذلك، فقال: ليس كل الناس يقدر يتكلم بعذره.
وسعي به إلى جعفر بن سليمان ابن عم أبي جعفر المنصور وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر، ودعا به، وجرده، وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه وأزيلت، ولقي منه أمرًا عظيمًا. فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليًا حلي بها.
وذكر ابن الجوزي في سنة سبع وأربعين ومائة وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطًا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان.