وَلَنَا، مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ. وَرُوِيَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ، فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ. فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِظُهَيْرٍ، وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ. قَالَ: فَخُذُوا زَرْعَكُمْ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ. قَالَ رَافِعٌ: فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ".
وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ، عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ، فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً، فَحَمَلَ فِيهَا مَالَهُ. وَأَدْخَلَهَا الْبَحْرَ، أَوْ غَصَبَ لَوْحًا. فَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ فِي اللُّجَّةِ، وَيُنْتَظَرُ حَتَّى تُرْسَى، صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنْ التَّلَفِ. كَذَا هَاهُنَا. وَلِأَنَّهُ زَرْعٌ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ. كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَعَارَةً أَوْ مَشْفُوعَةً. وَفَارَقَ الشَّجَرَ وَالنَّخْلَ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَتَطَاوَلُ، وَلَا يُعْلَمُ مَتَى يَنْقَطِعُ مِنْ الْأَرْضِ، فَانْتِظَارُهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ رَدِّ الْأَصْلِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَحَدِيثُهُمْ وَرَدَ فِي الْغَرْسِ، وَحَدِيثُنَا فِي الزَّرْعِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ. وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى رَضِيَ الْمَالِكُ بِتَرْكِ الزَّرْعِ لِلْغَاصِبِ. وَيَأْخُذُ مِنْهُ أَجْرَ الْأَرْضِ. فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute