الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا: إلها ولم يقولوا طبيعة» (١).
ويعلق الدكتور أبو العلا عفيفي على كلام ابن عربي هذا فيقول: «يرى ابن عربي أن كل من يدعو إلى الله على هذا الوجه - أي على سبيل التنزيه كما دعا نوح قومه - يمكر بمن يدعوه ويخدعه، وذلك أن المدعو مهما كانت عقيدته، ومهما كان معبوده لا يعبد في الحقيقة إلا الله، لأنه لا يعبد إلا مجلى من مجالي الحق في الوجود، فدعوته إلى الله مكر به، لأنها تحمله على الاعتقاد بأنه يعبد شيئا آخر سوى الله، وما في الوجود سواه، أما مكر قوم نوح فظاهر من عبارتهم: ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾، لأنهم إن تركوا هذه الآلهة فقد جهلوا من الحق على قدر ما تركوا، ذلك لأن للحق في كل معبود وجها لا يعبد المعبود إلا من أجله، وهنا يفهم ابن عربي نصا آخر من القرآن على أنه تقرير لوحدة الوجود من حيث صلتها بعبادة الله، فيقول: في مذهب المحمديين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾، أي حكم، بمعنى قدر أزلا أنكم إن تعبدوا إلا إياه، لا بمعنى أمر ألا تعبدوا إلا إياه، يدل على ذلك قوله في العبارة التالية: فالعالم يعلم من عبد. وفي أي صورة ظهر حتى عدل (٢).
ونحن نرى أن ابن عربي هنا قد جانبه الصواب، وخانه التوفيق من وجوه:
الوجه الأول: أن وحدة الأديان التي نادى بها ابن عربي، ومفادها أن معتقدات الناس كلها صحيحة لا يمكن لنا قبولها، لأن من حقنا أن نتساءل: إذا كانت هذه المعتقدات كلها صحيحة فلماذا إذن حارب الرسل ﵈ عبادة الأصنام، وسفهوا أحلام من عبدوها من دون الله؟ أليس ذلك دليلا
(١) فصوص الحكم ج ١ ص ٧٢ (٢) المصدر السابق ج ٢ ص ٣٩، ٤٠