ابن صرد ﵁ قال: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ وأحدُهُما يَسُبُّ صاحبَه مُغضباً قد احمرَّ وجهُه، فقال النبي ﷺ:" إنّي لأعلم كلمةً لو قالها لذَهَبَ عنه ما يَجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "(١).
فإذا كان الحالُ كذلك فيلزم عدم مؤاخذة العبد فيما يصدُرُ منه حالَ غَضَبِهِ، كالطَّلاقِ والظِّهارِ؛ لأنَّه في حكم المُجبَر على ذلك (٢).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ القولَ بعَدَم وقوع الوصية بحجَّة أنه من الشيطان يَقتضي إسقاطَ الحدود والأحكام عن أصحابها؛ لأنَّ إتيانها بنزغٍ من الشيطان، وهذا لا يُقرُّهُ شرعٌ ولا عقلٌ (٣).
ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التَّسليم بهذا المقتضي إلا أنَّ تحقُّق هذا فيما لو أطلَق القول بهذا في جميع الأحكامِ، فالقولُ به محصورٌ في بعض المواضع.
الوجه الثاني: أنَّ نسبة العمل للشيطان من باب التنفير من هذا الأمر؛ لما سيُخلِّفُهُ من آثار الحَسرةِ والنَّدامةِ، لذلك أرشَدَ الشَّارع إلى الوسائل المحصِّنةِ من الشَّيطان، دون أن ينفي مؤاخذةَ العبد على ما تجنيه جوارحُهُ (٤).
ونوقش: بما نوقش به الوجهُ الأول.
٥ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "
(١) صحيح البخاري -كتاب الأدب/ باب ما يجوز من الغضب والشدَّة لأمر الله تعالى، وقال الله تعالى: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) (٦١١٥)، ومسلم في البر/ باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (٢٦١٠). (٢) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان، مرجع سابق، (ص ١٠ - ١١). (٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مرجع سابق، (٩/ ٣٠)، بتصرُّف. (٤) جامع العلوم والحكم (ص ١٢٩)، بتصرف، اختيارات ابن عثيمين في النكاح ص ٢٤٦.