للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قلنا: إنما يكون تنبيها لو علَّقه على الطعام، فأما وقد قال: «بكيلٍ معلوم، ووزن معلوم»، دلّ على أن مراده غير الطعام، وإنما المراد المكيل والموزون لا يباع حتى يميز بالكيل والوزن، ثم لو صح هذا لما ذكرتم لوجب أن يكون قوله: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا/ الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثلٍ» (١)، فيه تنبيه على أن غيره من الموزونات أولى أن لا يجوز إلا مثلا بمثل؛ لأنه إذا كان مما تدعو الحاجة إليه ـ وهو الثمن ـ قد حجر فيه عن الزيادة، فغيره أولى ولم تقولوا ذلك.

والفقه في المسألة: أن المطلق للتصرف هو الملك، وكون المتصرف من أهل التصرف، ولهذا دفع عن التصرف في ملك الغير لعدم الملك، وفي حق السفيه والصبي والمجنون لعدم الأهلية، والملك في مسألتنا قد حصل بالعقد، وأهلية التصرف موجودة فلا مانع من التصرف.

فإن قيل: فيجب أن تجيز التصرف فيما ليس [بمعيّن] (٢) لما ذكرتم.

قلنا: ملك التصرف فيه حاصل إلا أنه لا يمكن إيقاعه لاختلاطه بملك البائع، فإن باعه أو وهبه لم يمكنه تسليمه؛ لأنه غير متميز، وإن أراد تناوله لا يمكنه إلا بتناول ملك البائع معه، فلو كاله البائع عليه أو وزنه جاز له التصرف فيه في الحال، وقد بينا أن التصرف يعتمد الملك حتى يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه، ولا يلزم عليه غير مسألة امتنع التصرف فيها لعلة معقولة، ألا ترى أن المغصوب والآبق والجمل الشارد لا يصح تصرف الملك فيهم مع مِلكه للتَّصرف؛ لكونه لا يمكنه التسليم ولا التناول، ولهذا لو تصرفوا في هذه المواضع بما لا يقتضي التسليم كالعتق والإتلاف والبيع من المتغلب الذي حصل بيده، جاز.

فإن قيل: فما تنكرون أن نقول في مسألتنا بملك التصرف، ولكن لا يصح لعدم القبض.


(١) سبق تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (بمعني)، وما أثبته هو الموافق للسياق.

<<  <   >  >>