وكذلك إذا حلق، أو لبس، أو قتل الصيد ناسياً وجبت الكفارة، وكذلك الصبي والمجنون إذا قتلا وجبت الكفارة، ولا قصد لهما، كذلك هاهنا.
والوجه الثاني: لا تجب الكفارة لعدم الإثم، على أنه لا يجوز اعتبار العلم بعدمه بدليل أنه [لو](١) وطئ الأجنبية يظنها زوجته فإنه لا يجب عليه الحدّ، وإذا كان عالماً وجب الحدّ، كذلك هاهنا.
وأما إذا وطأها بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، قلنا: هناك الحيض قد زال، وإنما بقي حكمه في بعض الأشياء، ولا يجوز اعتبار الحيض ببقاء حكمه في باب الكفارة، كما لم يجز اعتبار الإحرام ببقاء حكمه في وجوب البَدَنَة (٢)، ولا يجوز اعتبار الحيض بانقطاعه، ألا ترى أن بقاءه يمنع صحة الصلاة، وبقاء الغسل لا يمنع.
وأما قولهم: إنها ليست على نمط الكفارات.
قلنا: الكفارات الناس فيها قائلان؛ قائل يقول: تثبت توقيفاً، وقياساً. وقائل يقول: تجب توقيفاً فقط، ولا تجب قياساً. فأما أن نقول: إذا لم تكن على طريق القياس لم تجب. فلا قائل يقول بذلك، وخروجها عن الكفارات إنما كان توقيفاً، والكفارات على الاختلاف؛ ولأن العتق يصرف إلى وجه واحد، والزكاة نوع طُهرة ثم يجوز صرفها إلى واحد عندنا، وعند أبي حنيفة (٣)، وإذا جاز أن يصرف بعضها إلى عشرة، وبعضها إلى ستين، وبدل الرقبة في بعضها ثلاثة أيام، وبعضها بدل/ الرقبة من الصوم، وبعضها ستين يوماً، ولا معنى للتعلق في إسقاط أصل التكفير لأجل الاختلاف.
(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق. (٢) البَدَنَة من الإبل والبقر، كالأضحية من الغنم، تهدى إلى مكة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يُسمِّنُونها، والجمع: بُدُون، وبُدُن، وبُدْن. [ينظر: الصحاح ٥/ ٢٠٧٧، المحكم والمحيط الأعظم ٩/ ٣٥٦]. (٣) ينظر للحنفيّة: المبسوط ٣/ ٨، فتح القدير ٢/ ٦٥. وللحنابلة: متن الخرقي ص ٤٤، شرح الزركشي ٢/ ٤٤٨، الإنصاف ٧/ ٢٣٥.