ومعهم مكاحل نفط، فصار يطوف المدينة فإن رأى أحدا من الناس ماشي من بعد العشاء فيضربه بالمقارع، أو يوسطه، أو يقطع أذنيه وأنفه.
ثم إنه نادى في القاهرة بأن يعلقوا على كل دكان قنديل وعلى كل طاقة قنديل، وصار ينزل كل ليلة بنفسه ويكشف عن ذلك، فإن وجد دكانا بلا قنديل يسمرها وهو واقف بنفسه.
ثم إنه نادى في القاهرة [١/ ٢٥٥] بأن يبيضوا الدكاكين الذي (١) في المدينة ويزخرفوهم بالدهان فحصل لأصحاب الدكاكين بسبب ذلك كلفة زائدة.
ثم إنه صار ينزل إلى بولاق في ليالي سيدي إسماعيل الإنبابي، ويشق البحر في مركب ومعه جماعة من العوام والمغاني على الندى والاجهار، ويحرق في تلك الليلة حراقة نفط في بولاق، وقد جاوز الحد في اللهو، والمخلعة، وبهدل حرمة السلطنة، وصار الناس معه في غاية الضرر، ولا بقى يفكر بأحد من الأمراء من كبير ولا صغير، والكل معه في قمع سمسمه، كما قال القائل:
اخضع لقرد السوء في زمانه … وداره ما دام في سلطانه (٢)
ثم إنه صار ينزل إلى قبة الأمير يشبك التي في المطرية ويبات بها، ثم يطلع إلى القلعة، ويشق من المدينة وقدامه طبلين وزمرين، وجماعة كثيرة من العبيد السود يرمون قدامه بالنفط بمكاحل هندية، وكان في الغالب لا يركب معه أحد من الأمراء سوى خاله المقر السيفي قانصوه الدوادار الكبير.
ثم إنه رسم للأمراء المقدمين بأن يضاف لكل أمير منهم ثلاثون مملوكا من المماليك الأجلاب الناصرية، يأخذون من إقطاعات الأمراء لكل مملوك عشرة آلاف درهم، وأضاف إلى أمير كبير أزبك أربعين مملوكا، وأضاف إلى كل أمير أربعين عشرة من المماليك، وإلى كل أمير عشرة خمسة مماليك، فحصل للأمراء بذلك غاية الأذى وصار المماليك يدخلون إلى بيوت الأمراء وهم راكبون ويبهدلون مباشرينهم حتى يأخذوا الذي تقرر عليهم من المال.
ثم إن السلطان نادى في القاهرة بأن الأمراء الذين كانوا قد اختفوا من حين ركبوا مع الأمير أقبردي، يظهرون ولهم الأمان، فعند ذلك ظهر الأمير تاني بك الجمالي، وكان مختف من حين ركب مع قانصوه خمسمائة.
(١) كذا في الأصل، والصواب "التي". (٢) بحر الرجز؛ والبيت للعتابي. (الحيوان ١/ ٢٣٧).