ثم إن السلطان الملك الناصر رسم بإحضار الأتابكي أزبك أمير كبير من مكة، وكان مقيما بها من حين وقعت الفتنة بين قانصوه خمسمائة وبين أقبردي من أيام الملك الأشرف قايتباي، فلما حضر إلى الديار المصرية أخلع عليه واستقر أتابك العساكر كما كان أولا عوضا عن تمراز الشمسي لما قتل.
فكانت مدة غيبة الأتابكي أزبك في مكة سنتين وثلاثة أشهر واثنى عشر يوما، وكان حضوره إلى الديار المصرية، واستقراره في الأتابكية ثانيا في يوم الخميس ثامن عشرين ربيع الأول سنة ثلاث وتسعمائة.
وفيها في يوم الخميس في مستهل شهر صفر كانت وفاة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز.
فكانت مدة خلافته إلى أن مات تسع عشرة سنة وأيام، ومات وله من العمر أربع وثمانين سنة، وقيل: ناف عن ذلك، ولما مات عهد إلى ولده يعقوب، فتولى الخلافة في يوم السبت ثالث صفر من سنة ثلاث وتسعمائة، وتلقب بالمستمسك بالله أبي الصبر، وهو رابع خليفة هاشمي الأبوين.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الأمير أقبردي، فأنه لما خرج من القاهرة بعد الكسرة، فتوجه إلى نحو البلاد الشامية، فوصل إلى دمشق، فحاصر مدينة دمشق مدة أيام فلم يقدر عليها، فتوجه إلى حلب فحاصر مدينتها أشد المحاصرة فلم يقدر عليها، فقيل: أنه توجه إلى عند على دولات أخو أسوار.
فلما بلغ ذلك إلى السلطان والأمراء، فعينوا إليه تجريدة، فخرج الأمير كرتباي الأحمر نائب الشام، والأمير جان بلاط نائب حلب، وصحبتهم جماعة من الأمراء المقدمين، ومن الأمراء العشراوات، ومن المماليك السلطانية نحو ألفين مملوك، وخرجوا من القاهرة في يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعمائة، وكان الأمير كرتباي الأحمر باش العسكر فخرج من القاهرة في موكب عظيم وطلب طلبا عظيما.
فلما خرج الأمير كرتباي الأحمر من القاهرة، وقتل الأتابكي تمراز، وانكسر الأمير أقبردي، وحصلت هذه النصرة للملك الناصر محمد بن قايتباي، فطاش لما رأى الوقت قد صفا له، ولا بقى على يده يد، فخرج عن الجد في أفعاله، وصار ينزل في كل ليلة إلى المدينة، وقدامه فانوسين أكرة، وأربعة مشاعل، ويطوف المدينة في بعض مماليك معه من أخصائه، ومعه جماعة كثيرة من العبيد،