للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بغزة، وتجمع العساكر وسائر عربان بلاد الشام، وتدخل إلى القاهرة، وتأخذ مملكتك بالسيف"، فوافقه السلطان على ذلك، وأراد أن يتوجه معه إلى غزة، فلم يوافقه على ذلك الأتابكي أرغون شاه ولا الأمير يلبغا الناصري، ودخلوا إلى القاهرة تحت الليل، فأختفى السلطان تلك الليلة في تربة في الصحراء، فلما أخذه قرار في تلك الليلة فتوجه من هناك آخر الليل إلى الجودرية، فاختفي عند امرأة في الجودرية تسمى أمنه زوجة ابن المشتولي، كانت تربية خوند أم السلطان، فأقام عندها مختفى.

فلما كانت ليلة الإثنين جاءت امرأة (١) إلى الأمير أينبك البدري، وأخبرته بأن السلطان مختفى في مكان بالجودرية (٢)، فأرسل معها مماليك، ومعهم الأمير الطنبغا السلطاني، فتوجهت بهم إلى بيت أمنه زوجة ابن المشتولي، فكبسوا البيت المذكور، فهرب السلطان واختفى بالبادهنج (٣)، فطلعوا إلى السطح فتشوا عليه فوجدوه في البادهنج، فمسكوه، ثم إنهم نهبوا كل شيء كان في البيت (٤)، وطلعوا بالسلطان إلى القلعة، وهو راكب فرس، فتسلمه الأمير أينبك البدري، وخلا به تلك الليلة، وبات يعاقبه ويقرره على الذخائر (٥) كلها، فأخبره عنها.

فلما كانت ليلة الثلاثاء دخل جركس مملوك الجاي اليوسفي وكان شاد العمائر عند الجاي، فتسلم السلطان الملك الأشرف شعبان، وخنقه بوتر تحت الليل حتى مات، وذلك في ليلة الثلاثاء سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فلما مات وضعه في قفة وكسر ظهره وخيط عليه بلاس، وأرسله تحت الليل على حمار، فأرماه في بئر بالقرب من باب الزغلة عند المجراة، فمات شهيدا، رحمة الله عليه، فكان الأمر كما قد قيل:


(١) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٨٠: أن المرأة التي أخبرت عن مكان السلطان هي نفسها "أمنة" التي نزل السلطان في بيتها؛ أما في المصادر الأخرى: أن امرأة بلغت عن وجود السلطان في بيت أمنة.
(انظر: السلوك ٣/ ١/ ٢٨١ والنجوم الزاهرة ١١/ ٧٥) وهذا يتطابق ما ذكره ابن إياس هنا.
(٢) الجودرية: حارة في القاهرة باسم طائفة من العسكر أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي، موقعها المنطقة التي يخترقها اليوم شارع الجودرية وفروعه وحارة الجودرية الكبيرة وحارة الجودرية الصغيرة وعطفة الجودرية بالقاهرة. (الخطط المقريزية ٣/ ٩ والنجوم الزاهرة ٤/ ٥١ هامش (٣).
(٣) كلمة فارسية، معناها المنفذ الهوائي في أعلى المنزل وهو ما يعبر عنه العوام بالشخشيخة. (النحوم الزاهرة: ١١/ ٧٦ هامش ٢ نقلا عن قاموس استنجاس).
(٤) في الأصل "البيب".
(٥) في الأصل "الدخاير".

<<  <   >  >>