وفيها: كان الغلاء بالديار المصرية، وسبب ذلك توقف النيل عند الوفاء، ونقص أصبعين، فخرج الناس قاطبة إلى الصحراء يستسقون، وذلك في يوم الخميس ثالث ربيع الآخر من السنة المذكورة، فخرج الناس إلى نحو قبة النصر، وأحضروا هناك منبرا، واجتمع القضاة، والفقراء، والمشايخ، وأعيان الناس من الأمراء وغيرهم، والخليفة، ولم ينزل السلطان، وكان الذي خطب خطبة الاستسقاء الشيخ شمس الدين بن القسطلاني خطيب جامع عمرو، فلما خطب ودعى كشف رأسه وحول رداءه، فكشفوا الناس رؤوسهم، واستغاثوا إلى الله تعالى بالدعاء، وكان يوما مشهودا تسكب فيه العبرات، فلم يزد النيل بعد ذلك شيئا (١)، وتزايد سعر القمح وجميع الغلات، وقد انتهى السعر من سبعين درهما كل أردب إلى مائة وعشرين (٢) درهما، وأشتد الأمر على الناس، وشرقت البلاد في تلك السنة، وقلت الأقوات.
فرسم السلطان للأتابكي منجك بأن يجمع الحرافيش ويفرقهم على الأمراء المقدمين لكل أمير مقدم ألف مائة حرفوش، وعلى أعيان التجار ومساتير الناس لكل واحد بحسب مقامه وقدرته على ذلك، ثم إن السلطان نادى بأن كل من شحت من الحرافيش من بعد ذلك صلب من غير معاوده، ورسم السلطان بأن يعطوهم في كل يوم رطلين من الخبز وما يشاكل ذلك من الطعام.
ثم دخلت سنة ست وسبعين وسبعمائة، فيها تناهي سعر الغلة إلى مائة وأربعين درهما كل أردب والشعير بثمانين درهما كل أردب، والخبز كل رطلين إلا ربع بدرهم، وصار أكثر الناس يأكلون خبز الفول والنخال، وأبيع اللحم الضان كل رطل بدرهمين ونصف، واللحم البقري كل رطل بدرهم ونصف، والراوية الماء بخمسة دراهم، ومات في تلك السنة أكثر الدواب من قلة العلف، وغلاء سائر البضائع في تلك السنة، حتى أتباع كل بطيخة صيفي بمائة درهم، وكل دجاجة بعشرة دراهم، وكل رمانة بستة عشر درهما، وجاء عقيب ذلك فناء عظيم وأوخام زائدة، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة (٣).
(١) الخبر في السلوك ٣/ ١/ ٢١٩. ولم يرد هذا الخبر في بدائع الزهور. (٢) في بدائع الزهور ١/ ٢/ ١٣٨: "مائة وعشرة". (٣) جاء خبر الغلاء في بدائع الزهور مقطعا ومقسما على أحداث سنة ٧٧٥ هـ وسنة ٧٧٦ هـ وداخل كل سنة مقسم على الشهور: ١/ ٢/ ١٢٧، ١٣٣، ١٣٨، ١٤٠، ١٤١، ١٤٣. وكذلك في السلوك ٣/ ١/ ٢١٨ - ٢١٩، ٢٢١، ٢٢٣، ٢٢٩، ٢٣٢، ٢٣٤ - ٢٣٣، ٢٣٥، ٢٣٦، ٢٣٧. وقارن الأسعار في السلوك وبدائع الزهور.