تعليمه إياه، فإنَّه لما جهل ركنية الطمأنينة كان بحاجة إلى ذكر ما يحتاج إليه مما رآه النبي ﷺ صالحًا له ولمثله، فذكر له شيئًا مما لم يظهر تقصيره فيه أو ظهر، مثل ذكر الوضوء وفروضه وإسباغه، والإقامة للصلاة، واستقبال القبلة، ودعاء الاستفتاح، وتكبيرات الانتقال، ووضع الكفين على الركبتين، وهيئة الجلوس بين السجدتين، وبعض هذه المذكورات هي عند بعضهم من السنن، وليست من الواجبات، فدلّ على أن النبي ﷺ لم يكتفِ بأن يعلمه أدنى الكمال في الواجبات، وترك ما عدا ذلك، والله أعلم.
قال الخطابي في المعالم (١/ ٤٤): "فابتدأ فعلَّمه الطهارة ثمَّ علَّمه الصلاة؛ وذلك - والله أعلم - لأنَّ الصلاة شيء ظاهر تشتهره الأبصار، والطهارة أمر يستخلي به الناس في ستر وخفاء، فلما رآه ﷺ جاهلًا بالصلاة؛ حمل أمره على الجهل بأمر الطهارة، فعلمه إياها".
وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله (١٨٨): "قال إسحاق: وأما مَن ترك التكبيرات عمدًا سوى تكبيرة افتتاح الصلاة فعليه إعادة الصلاة، لا تتم الصلاة إلا بالتكبيرات والتسبيح والتشهد والقراءة، فإذا تركها تاركٌ عمدًا كان تاركًا لما أمر به فعليه إعادتها، ألا ترى أن رسول الله ﷺ حين رأى رجلًا لا يتمُّ ركوعًا ولا سجودًا فقال له: "أعد صلاتك فإنك لم تصلِّ"، فأعاد ثمَّ قال له: "أعد فإنك لم تصلِّ"، فقال: لقد حرصت وجهدت فعلمني، ومن يشك أن صلاة المرّة الثانية حين حذره النبي ﷺ وأنذره أن يكون ركوعه واضعًا يديه على ركبتيه، ولكنه إذا لم يستوِ في ركوعه حتى يطمئنَّ راكعًا ولا في قيامه حتى يستوي معتدلًا من غير علة تمنعه من ذلك؛ أن لا صلاة له، وكذلك قال رسول الله ﷺ لهذا المصلي: "سوِّ صلبك حتى تعتدلَ قائمًا، واركع حتى تطمئنَّ راكعًا"".
ثمَّ قال الكوسج (١٨٩): "سئل إسحاق: عن الواجب في الصلاة عندكم، وعن ما لا بد منه؟ فقال: وأما ما سألت عن الواجب في الصلاة أيها هي؟ فإن الصلاة كلَّها من أولها إلى آخرها واجبة، والذين يقولون للناس: في الصلاة سُنَّة، وفيها فريضة؛ خطأ من المتكلم، لكن رسول الله ﷺ حين بيَّن لهم إقامة الصلوات بيَّن فيها سننًا نتكلم فيها على ما بيَّن القوم؛ كنحو التسبيح في الركوع ثلاثًا فأعلى، ولا يجوز أن يقول: إن مَن سبح واحدةً أو ثنتين إن صلاتَه فاسدةٌ؛ لأنه قد سبح في الركوع، وكذلك لو ترك تكبيرةً ناسيًا سوى الافتتاح إن صلاته فاسدة وما أشبه ذلك؛ لأنا وجدنا عن النبي ﷺ من الأشياء التي بيَّنها على المصلين أن يقيموها فتركها تاركٌ سهوًا أن لا يعيد، وفعل النبي ﷺ بعض ما وصفنا في الصلاة مثل التشهد في الأوليين وشِبْهه ناسيًا فلم يُعِدْ الصلاة، ولكن لا يجوز لأحد أن يجعل الصلاة أجزاء مجزَّأةً فيقول: فريضته كذا وسُنَّته كذا، فإن ذلك بدعة".
والمقصود من ذلك أن على العالم أن يبين لعموم الناس صفة صلاة النبي ﷺ كاملة، ويلزمهم بها، لقول النبي ﷺ:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، فأما أن يعلِّمهم أن من الصلاة ما هو سُنَّة لا تبطل الصلاة بتركها؛ فإن ذلك يجعل الناس يتسارعون إلى تركها بدعوى