فاجاب البيهقي في المعرفة (١/ ٥١٨) عن هذا بقوله: "ليس يريد به أنه كان لا يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وإنما يريد به أنه لا يسكت كما سكت في الركعة الأولى عقب التكبير بدعاء الافتتاح، بل يبدأ بقراءة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ يعني: بقراءة سورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كما يقال: قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ﴾، و ﴿الم (١) اللَّهُ﴾، وإنما يراد تلك السورة، وذلك لأن أبا زرعة هو الراوي عنه عن النبي ﷺ في سكوته بين التكبير والقراءة؛ فأراد بهذا أنه كان لا يسكت ذلك السكوت إذا نهض في الركعة الثانية، والذي يؤكد هذا أن بعض رواته قال في متنه: استفتح القراءة ولم يسكت، فدل أن المراد بالحديث ما ذكرنا، والله أعلم".
قلت: السكوت المنفي في حديث أبي هريرة هذا، هو السكوت المثبت في الرواية الأخرى، والذي سأل عنه أبو هريرة رسولَ الله ﷺ في الركعة الأولى بعد تكبيرة الافتتاح؛ يعني: أنه لا يسكت سكوته في الركعة الأولى لدعاء الاستفتاح، ولا ينفي هذا قراءة البسملة سرًّا، لقصر زمنها إذا قيس بدعاء الاستفتاح الوارد في حديث أبي هريرة، وأما قول أبي هريرة: استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهو على ظاهره، وسيأتي الرد على من قال بأن المراد بها السورة لا الآية، والله أعلم.
ب- وروى بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ كان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
أخرجه ابن ماجه (٨١٤)، والبزار (١٥/ ٣٠٢/ ٨٨١٨)، وأبو يعلى (١١/ ٩٠/ ٦٢٢١)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (١/ ٤٧٠/ ٦٣٥).
قال البزار بعد أن روى حديثين بهذا الإسناد هذا أحدهما:"وهذان الحديثان لا نعلمهما يرويان عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، وبشر بن رافع: ليس بالقوي، وإن كان قد روى عنه جماعة من أهل العلم، وحدثوا عنه".
وقال ابن عبد البر في الإنصاف (١٠): "وبشر بن رافع عندهم: منكر الحديث، قد اتفقوا على إنكار حديثه، وطرح ما رواه، وترك الاحتجاج به، لا يختلف علماء الحديث في ذلك".
فهو حديث ضعيف؛ ابن عم أبي هريرة: مجهول الحال [التهذيب (٤/ ٥٤٧)]، وبشر بن رافع: ضعيف [انظر: التهذيب (١/ ٢٢٧) وغيره]، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٠٥).
ج- وروى أبو حفص عمرو بن علي الفلاس: ثنا أبو داود: ثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، يحدث عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم سكت هنيهة.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢١٢/ ٧٣٠٢)، والدارقطني في السنن (١/ ٣١٣)، وفي العلل (١٠/ ٣٠٠/ ٢٠١٩).