تامّا، ثم أضمروا ما يشير إلى أنّ قولهم:«بئس ما صنعت» معناه: بئس الشيء ما صنعت، والموجود فاعل و (ما) المقدرة مبتدأ (١). هذا معنى ما نقله الفراء عن الكسائي، فمذهبه كمذهب سيبويه إلّا أنّ المحقق من أصحاب سيبويه يجعل التقدير: نعم الشيء شيئا صنعت (٢)، ويقوي تعريف ما بعد (نعم) كثرة الاقتصار عليها في نحو: غسلته غسلا نعمّا، والنكرة التالية (نعم) لا يقتصر عليها إلا في نادر من القول (٣)، كقول الراجز:
٢٠٠٣ - تقول عرسي وهي لي عومره ... بئس امرأ، وإنّني بئس المره (٤)
ويقوى أيضا فاعلية (ما) المذكورة وأنها ليست تمييزا: أنّ التمييز إنما يجاء به لتعيين جنس المميّز، و (ما) المذكورة مساوية للمضمر في الإبهام، فلا يكون تمييزا (٥)، ويقوّي تعريف (ما) في نحو: «مما أن أصنع» كونها مجرورة بحرف مخبر به، وما كان كذلك فلا يكون - بالاستقراء - إلا معرفة، أو نكرة موصوفة، و (ما) المذكورة غير نكرة موصوفة فتعين كونها معرفة، وإلّا لزم ثبوت ما لا نظير له، قال أبو علي في البغداديات - في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ (٦) -: يجوز أن تكون (ما) معرفة، ويجوز أن تكون نكرة، فإن حملته على أنّه معرفة كان رفعا ولم يكن لقوله: يَعِظُكُمْ موضع من الإعراب، وإن حملته على أنّه نكرة كانت -
(١) ينظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٥٧). (٢) هذا رأي الجرمي وينظر في التذييل والتكميل (٤/ ٤٧٦) والمساعد لابن عقيل (١٣٧ / أ). (٣) ينظر: شرح المصنف (٣/ ١١) وفي التذييل والتكميل (٤/ ٤٧٤، ٤٧٥) وليس بنادر كما قال لقوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا فهذا كقوله: بئس امرأ. (٤) هذا البيت من الرجز لم أهتد إلى قائله، وقال العيني: لم أقف على اسم قائله وروي: بئس امرؤ، بالرفع وليس كذلك. اللغة: عرسي: - بكسر العين وسكون الراء - زوجتي، لي: معي، عومرة: صخب وجلبة وفي جمهرة اللغة: وقع القوم في عومرة، أي: تخبط وشر. والشاهد في البيت: قوله: «بئس امرأ»؛ حيث أضمر الفاعل فيه وفسرته النكرة بعده المنصوبة على التمييز وفيه ثلاثة أشياء: تذكير الفعل المسند إلى المؤنث أي: بئست المرأة، وتقديم المخصوص بالذم على بئس، لدخول الناسخ عليه، وتخفيف الهمزة من المرأة. ينظر الشاهد في التذييل والتكميل (٤/ ٤٧٤)، والعيني (٤/ ٢٩)، والأشموني (٣/ ٣٢). (٥) ينظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ١١١٢)، وشرح الألفية للشاطبي (٤/ ٢٤) رسالة. (٦) سورة النساء: ٥٨.