فقال موسى: تربيتك إياي كانت لأجل التملك والقهر لقومي، فقوله:{تِلْكَ} ابتداء، و:{نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} خبره، و:{أَنْ عَبَّدْتَ} بدل من النعمة، مبين لها، وتقديره: تعبيدك بني إسرائيل.
هذا الذي ذكرنا وجه قول من قال بالإنكار.
القول الثاني: أن موسى أقر بنعمة التربية. وهو قول الفراء (١)، ومذهب أبي العباس (٢)، ووجهه: أن فرعون لما قال لموسى: {وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} أي: لنعمة تربيتي لك، أجاب موسى فقال:{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} الآية؛ يقول: هي لعمري نعمة إذ ربيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل، فـ {أَن} تدل على ذلك. ومثله في الكلام: أن تضرب أحد عبيدك وتترك الآخر، فيقول المتروك: هذه نعمة عليٍّ أنْ ضربت فلانًا وتركتني، ثم تحذف: وتركتني. والمعنى قائم معروف. هذا كله كلام الفراء؛ قال: وقد تكون {أَن} رفعًا ونصبًا، أما الرفع فعلى قولك: وتلك نعمة تمنها علي تعبيدك بني إسرائيل. والنصب: تَمَنَّها عليَّ لتعبيدك بني إسرائيل. انتهى كلامه (٣).
ووجه هذا القول يصح في النظم بتقدير محذوف؛ كأنه قال: وتلك التي (٤) تذكر نعمة لك تمنها علي لأن عبدت بني إسرائيل. هذا وجه الإقرار بنعمة التربية. ومذهب المفسرين: الإنكار. وما حكينا من أقوالهم يدل على الإنكار.