أراد إن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، فهذا الذي ذكرنا أكثر قول (١) أهل اللغة في النسيء والمفسرين.
وقال قطرب:"معنى النسيء وأصله: من الزيادة يقال: نسأ في الأجل وأنسأ: إذا زاد فيه (٢)، وكذلك قيل للبن: النسيء؛ لزيادة الماء فيه ونُسئت المرأة: إذا حبلت، جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء في اللبن، وقيل للناقة: نسأتها: أي زجرتها ليزداد سيرها، وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسيء"(٣)، وهذا مذهب قتادة من المفسرين قال:"إنهم عمدوا فزادوا صفرًا في الأشهر الحرم فقرنوه بالمحرم في التحريم، وأشركوا بينهما في الاسم فقالوا للمحرم وصفر: صفران"(٤)، والصحيح: القول الأول، وأن أصل النسيء: التأخير، ونُسِئت المرأة: إذا حبلت؛ لتأخر حيضها، ونَسَأتُ الناقة معناه: زجرتها عن التأخير، ونَسَأتُ اللبن: إذا أخرته حتى كثر الماء فيه (٥)، وقول قتادة: "أنهم زادوا صفرا في الحرم، فذلك يعود إلى تأخيرهم التحريم من المحرم إليه ولم يزيدوه (٦) زيادة أصل تبلغ به عدد الحرم خمسة أشهر؛ لأن الله تعالى قال:{يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} فبين أنهم لم يزيدوا في العدد وإنما نقلوا التحريم من موضعه.
(١) هكذا في جميع النسخ. (٢) ساقط من (ى). (٣) ذكر قول قطرب الرازي ١٦/ ٥٥ - ٥٦، وبنحوه الثعلبي ٦/ ١٠٦ أ. (٤) رواه بمعناه مختصرًا ابن جرير ١٠/ ١٣١، والثعلبي ٦/ ١٠٦ أ، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" ١٦/ ٤٢٦. (٥) من عادة اللبن أن الماء يطفو فوقه إذا ترك فترة. (٦) في (ي): (ولا يزيدونه).