الذي لا يصغي إلى قول العاذل، ولا يبغي طاقة الباذل، ونطق منذ كان صبيا بالحكم، وصدّق فكان في بيته يؤتى الحكم (١)، ونفقت في أيامه سوق الفضائل، ووثقت بأنعامه الطآيل [كذا]، ولم يكن فيه عيب إلا قصر أيامه، وقصور مدته عن مرامه، وأهل الأندلس تعده من أصلح خلفائها، وأرجح أهل وفائه بها، ولم يكن من أهل الفضل إلا من يزدلف إليه بما لديه، ويقرب كرمه السابغ عليه من يديه، وكان الناظر لا يكاد يرى إلا عالما ومعلما، أو مقدما أو متقدما، وما بقي من رعاياه إلا من رعاه حرمه، ودعاه كرمه، فلم يدع منهم إلا راضيا عن زمانه، أو قاضيا له منه بأمانه، ثم ما زال مزيدا في الصلاح، ومتجددا به عموم الفلاح، حتى أتاه اليقين، وأراه موضعه في أماكن المتقين، وأجرى مرة خيله للسباق، فأحرز قصباته، وغبر في وجوه السباق، فقال محمد بن حسين الطبني:(٢)
[الرجز]
أعارض عجلان في البحر خفق … أم نفس الريح تجاري واستبق [ص ٣٢٥]
= وكان عالما بالدين ملما بالأدب والتاريخ، ضليعا في معرفة الأنساب، يروى له شعر، محبا للعلماء يستحضرهم من البلدان النائية فيستفيد منهم ويحسن إليهم، جماعا للكتب، قيل: إن مكتبته بلغت مائة ألف مجلد، دامت ولايته خمسة عشر عاما، وألف له أبو علي القالي كتاب الأمالي، وعليه وفد، توفي بقرطبة مفلوجا سنة ٣٦٦ هـ. (نفح الطيب ١/ ١٨٠، المغرب ١/ ١٨١، ابن الأثير ٨/ ٢٢٤، ابن خلدون ٤/ ١٤٤، أزهار الرياض ٢/ ٢٨٦ - ٢٩٤، جذوة المقتبس ص ١٣) (١) في بيته يؤتى الحكم، هو مثل ينظر مجمع الأمثال ٢/ ٧٢، جمهرة الأمثال ٢/ ١٠١. (٢) محمد حسين الطبني التميمي الأندلسي: شاعر مكثر وأديب متفنن، كان في أيام الحكم المستنصر، وله علم بأخبار العرب وأنسابهم، وفد على المنصور من طبنة (قاعدة الزاب) واستوطن قرطبة، وهو أصل بني الطبنة فيها، توفي سنة ٣٩٤ هـ. (المغرب في حلى المغرب ص ٢٠١)