للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحكم أشبه في حكمته بالمأمون، وفي حرمته هارون، وتطلّب الكتب القديمة، وتطبّب بها من عدوى الأفهام السقيمة، وطالع كتب الأوائل، وطالب بإقامة الدلائل، وبعث إلى العراق في طلب الكتب الحكمية، وغالى في أثمانها، ووالى في ذخائر البيوت استخرج جمانها رغبة في إقامة براهينها وإدامة الوقوف على قوانينها، حتى نأى بها إلى الأندلس عن أوطانها، ورأى بالعقل أنه لا ينفذ إلا بسلطانها، فغلب بحججها القاطعة وبلغ الغاية بأنوارها الساطعة.

وكان هو أول من أدخل الحكمة، ويثها في أقطارها، ومد إليها بعثها حتى جاس خلال ديارها، فأعاد عصر الأوائل جديدا، وعصر الفضائل زاد ضحى قريبا بعيدا، بل زاد حتى سطا بأرسطاطاليس، وفلّ أفلاطون بجيش لا يفله الخميس، فما جاء معه أبقراط بقيراط، وبطل بطليموس فيما أحاط به علما ومالا أحاط، فذكت قريحته، وزكت صبيحته، وكان أبوه الحكم لما سمع كلامه في هذه الدقائق، وعرف مرامه في معرفة هذه الحقائق، يتضاعف به سروره، ويتماثل لديه أموره، ولهذا انتعش لديه حظه من خاطره، وجاد أفقه صوب ماطره، فكان


= طليطلة (وكان أبوه واليا عليها قبل ولايته الملك)، بويع بقرطبة سنة ٢٠٦ هـ بعد وفاة أبيه، وهو أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة، وكسا الخلافة أبهة الجلالة، فشيد القصور، وجلب الماء العذب إلى قرطبة، وبنى مصنعا كبيرا يرتاده الناس، وبنى الرصيف وعمل عليه السقائف، وبنى المساجد في الأندلس، ومنها جامع أشبيلية وسورها، وعمل السقاية على الرصيف، واتخذ السكة (النقود) بقرطبة، وضرب الدراهم باسمه ولم يكن ذلك فيها مذ فتحها العرب، ونظم الجيش واستكثر من الأسلحة والعدد، واحتجب قبل موته مدة ثلاث سنوات، لعلة أضعفت قواه، وكانت أيامه أيام سكون وعافية، وكثرت عنده الأموال، وكان عالي الهمة له غزوات كثيرة، أديبا ينظم الشعر، مطلعا على علوم الشريعة، يشبّه بالوليد بن عبد الملك في سياسته وتأنقه، ومدة ولايته إحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر، ووفاته بقرطبة سنة ٢٣٨ هـ.
(ابن الأثير ٧/ ٢٢، ابن خلدون ٤/ ١٢٧، البيان المغرب ٢/ ٨١، المغرب في حلي المغرب ١/ ٤٥ - ٥١، الحلة السيراء ص ٦١، جذوة المقتبس ص ١١، نفح الطيب ١/ ١٦٣)

<<  <  ج: ص:  >  >>