من عنده وما حرج نار رأيه من زنده، فلما دخل عليه قال له: ما قال لك المغيرة وما أجبته؟ فلما قص عليه القصص، قال: ولم خالفته وقد [ص ٢٢٣] نصحك والله أولا، وغشك ثانيا، وقرب له الرأي فلم يكن له مدانيا، فلما أتى كتاب عليّ معاوية ألقاه، وقبله صدر الحيل ولقاه، وأيّد بعمرو بن العاص ﵁، وأدرج طلب الخلافة في أمر القصاص، فنشاب تلك الحروب السجال، والحرور المتلفة لمهج الرجال، حتى كادت تأتي على الإسلام، وتحوي في حضانه السيوف من لم يبلغ الاحتلام، وبإجماع العلماء أن حزب الشام هم البغاة الناطق كتاب الله بحربهم المصيب عليّ ﵁ في قتال حزبهم، ولا يعدّ أهل الحق لمعاوية خلافة، إلا منذ سلم إليه الحسن، فسلم من الفتن.
وكانت أمه هند (١) بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان له بيت للأضياف يغشاه الناس فيه بغير إذنه، فقعد فيه يوما ومعه هند، ثم خرج عنها وتركها به نائمة، فجاء بعض من كان يغشى البيت فدخل عليها، وخرج فجاء الفاكه ونبهها وقال لها: من هذا الذي خرج من عندك؟ قالت له ما انتبهت حتى نبهتني، فقال لها: الحقي بأهلك، فخاض الناس في أمرهم، فقال لها أبوها: أتبيني شأنك؟ فقالت: والله يا أبة إنه لكاذب، فخرج
(١) هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس: أم معاوية بن أبي سفيان، تزوجت أبا سفيان بعد مفارقتها لزوجها الأول (الفاكه بن المغيرة المخزومي)، كانت فصيحة جريئة، صاحبة رأي وحزم، تقول الشعر، وأكثر شعرها في مراثيها لقتلى بدر من مشركي قريش، قبل أن تسلم، وكانت تمثل بقتلى المسلمين في وقعة أحد، وتحرض المشركين، وكانت ممن أهدر النبي ﷺ دماءهم يوم فتح مكة، وأمر بقتلهم ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، فجاءته مع بعض النسوة في الأبطح فأعلنت إسلامها، وأخذ البيعة عليهن ألا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، وكانت لها تجارة في خلافة عمر، وشهدت اليرموك وحرضت على قتال الروم، توفيت سنة ١٤ هـ. (طبقات ابن سعد ٨/ ١٧٠، الروض الأنف ٢/ ٢٧٧، خزانة الأدب ١/ ٥٥٦، الدر المنثور ٥٣٧، الأغاني ينظر فهرسته، نهاية الأرب ١٧/ ١٠٠، ٣٠٧، ٣١٠)