للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وزير لا تقتحم لججه، ولا تخصم حججه، بلسان طلق، وسنان ذلق، وبيان ترجم ما في صدور الخلق، وإحسان لو تطلّبت مثله لم تلق. تقلّبت به الأحوال تقلّب الأيام والليّال، وتصرّفت به الدهور تصرّف السنين والشهور، ولم يكسه طول المدّة إلاّ جدّة، ولم يكسبه تصريف الزمان إلاّ تشريف المكان، وما زال في قطر المشرق أفقه المشرق الطالع، ومفرقه الذي يحتقر له التيجان ولو رصّعت بالنجوم الطوالع.

شرفت به بلاد العجم شرفا ما له براح، وعرفت له مهابة لو أذمّ بها الليل لما هجم عليه الصباح، وكان صدر خراسان وملء صدر كلّ انسان، بدرا لا يدركه السرار، وعودا لا ينهكه السّفار. طود نهى، وجود لهى (١)، وكان في دولة آل سلجوق لمعاقد الوزارة مرشّحا، ولقلائد السفارة موشحّا، ودفعه تصريف الدهر في صدره دفعة أقعدته على عجزه، وردّته ردّة عاد بها إلى أوّل مركزه لولا كرم رجل انتاشه، وأضفى كذنب الطاووس رياشه، وصحبه حتى قد قدمت الجنائز تهزّ نعوشها، وتصرّمت بقايا ليال كان يعيشها.

وقد ذكره العماد الكاتب في الخريدة،/ ٤٢٧/ وآثره بالصفات الحميدة (٢).

ومن أشعاره التي تدبّ كالخمر في المفاصل، وتهبّ كنار المضاء في بريق المناصل،


= وولاية الريّ وغيرها، ثم يبتعد عنها بإرادته، فيقول: (وبخلت بزماني وعمري على إنفاقه في مثل هذه الأمور التي قصاراها ما قال شريح القاضي: أصبحت ونصف الناس عليّ غضبان فضقت ذرعا ولم أجد بدّا من الانتقال حتى يتقلّص عني ظلّ ذلك الأمر)، أحصى له ياقوت ما يزيد على سبعين كتابا في علوم وفنون مختلفة منها في الأدب، والفقه، والتفسير، والأصول، والحساب، والطبّ، والصيدلة وغيرها. وأثنى عليه - صاحب الخريدة ثناء مستطابا فهو عنده (من أفاضل خراسان، وأماثل الزمان، وأعيان الأنام … وأجواد الورى وأطواد النهى)، وكان صديقا لوالده حيث أسبغ عليه حمايته وهو والي الريّ بعد أن جاءها هاربا، ومن كتبه التي يشار إليها هنا كتابه (وشاح دمية القصر) جعله كأنّه ذيل على دمية القصر، ترجم فيه لشعراء عصره. ينظر عنه خريدة القصر، قسم هراة، ٢/ ٩٨ - ٩٩، ومعجم الأدباء، ١٣/ ٢١٩، وما بعدها، وسير أعلام النبلاء، ٢٠/ ٥٨٥، وما بعدها مع مصادر المحقق.
(١) اللهى: العطايا.
(٢) تنظر خريدة القصر، قسم هراة، ٢/ ٩٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>