الحُدُودَ، وأحْيا أحْكَام الإسْلَام، وعمَّر الأطْرَافَ، وآمَنَ السُّبُل، وقَتَل قُطَّاع الطُّرُقات، وطَلَبَهُم في كُلَّ فَجٍّ، وشَنَق منهم خَلْقًا، وكُلَّما سَمِعَ بقَاطِع طَريق في مَوضِع قد قَصَدَه، وأخَذَهُ، وصَلَبهُ على أبْوَاب المَدِينَة. وكَثُرت في أيَّامِهِ الأمْطَار، وتفَجَّرت العُيُون والأنْهَار، وعَامَل أهلَ حَلَب من الجَمِيل بما (a) أحْوَجَهُم أنْ يتَوارثُوا الرَّحْمَة عليه إلى آخر الدَّهْر.
قال (١): وفيها -يعني سَنَة إحْدَى وثَمانين وأرْبَعِمائة- خرَجَ الأَمِيرُ قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر، رَحِمَهُ اللَّهُ، يُوَدَّع تَابُوت زَوْجَته خَاتُون دَايَةَ السُّلْطان أبي الفَتْح (b) ؛ ماتَتْ بحَلَب، وقيل: إنَّهُ جلَسَ وفي يَده سِكِّين، فأوْمأ بها إليها، فوقعَت في مَقْتَل وهوِ غير مُتَعمِّد لها، فماتَتْ في الحال، فوضعها في تَابُوت، وحُمِلَت إلى الشَّرْق، وخرَجَ لوَدَاعها يَوْم الاثْنَين مُسْتَهَلّ جُمَادَى الآخرة.
وقال (٢): سَنَة أرْبَعٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فيها تسلَّم الأَمِير قَسِيم الدَّوْلَة قَلْعَة أفَامِيَة من يد ابن مُلاعِب يَوْم الخَمِيْس ثالث رَجَب. وشَحَنَ بها بعض بني مُنْقِذ.
وقال (٣): سَنَة ستٍّ وثَمانين وأرْبَعِمائة، فيها فتَحَ الأَمِيرُ قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر ومعه تاجُ الدَّوْلَة مَدِينَة نَصِيبِيْن يَوْم الاثْنَين ثامن (c) رَبيِع الأوَّل، وقيل: في صَفَر. حَدَّثني بهذا وَالدِي الرَّئِيسُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد العُظَيْميّ، قال: كُنْتُ مع الأَمِيرِ قَسِيم الدَّوْلَة في هذا الفَتْح.
(a) ب: ما. (b) ب: أبو الفتح. (c) ب: ثامن من. _________ (١) انظر التعليق قبله، وذكر العظيمي وفاة زوجة قسيم الدولة باقتضاب في تاريخ حلب ٣٥٤، وانظر: زبدة الحلب ١: ٣٢٧. (٢) مثله، وانظر تاريخ حلب ٣٥٥، دون الإشارة لبني منقذ. (٣) مثله، ولم يذكر في مختصره (تاريخ حلب ٣٥٦) في أحداث السنة المذكورة سوى قوله: وطئ قسيم الدولة بساط السلطان بركياروق وعاد إلى حلب.