الشِّعْر، من بيتِ الإمَارَة والفُرُوسِيَّة واللُّغَة، سَكَنَ دِمَشْقَ، لَقِيتُه بالفوَّارِ بِظَاهِر دِمَشْق بحَورِان (a)، واجْتَمَعْتُ معَهُ بدِمَشْقَ عدَّة نُوبٍ، وكان مَلِيْح المُجَالَسَة، حَسَن المُحَاورةِ، كَثِيْر المحفُوظ؛ كان يقول لي: كُنْتُ أحْفَظُ أكْثر من عِشْرين ألفَ بَيْتٍ من شِعْر الجاهِلِيَّةِ. علَّقتُ عنه من شعْره شيئًا، وقال لي: دَخَلْتُ بَغْدَاد وَقْتَ مُحَارَبةِ دُبيسٍ بن صَدَقَة مع المُسْترشِدِ باللَّه، قال: ونَزَلْتُ الجانِب الغَرْبيَّ عنده باب البَصْرَة وما عبرْتُ إلى شرْقيِّها، سَألتُهُ - أعْني أبا المُظَفَّر - عن مَوْلدِه، فقال: وُلدْتُ في سَنَة سَبعٍ - أو ثَمانٍ - وثمانين وأرْبَعِمائةٍ؛ أنا الشَّاكُّ.
أخْبَرَنا زَيْن الأُمَناء أبو البَرَكَات الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن الحَسَن فيما أَذنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بنُ الحَسَن (١)، قال: أُسامَةُ بن مُرْشِد بن عليّ بن المُقَلَّد بن نَصْر بن مُنْقِذ بن مُحَمَّد بن مُنْقِذ (b) بن نَصْر بن هاشِم أبو المُظَفَّر الكِنَانِيّ المُلَقَّبُ بمُؤيَّد الدَّوْلَة، لهُ يَد بيضاءُ في الأدَب والكتابةِ والشِّعْر. ذَكَرَ لي أنَّهُ وُلد سَنَة ثمانٍ وثمانين وأرْبَعِمائة، وقَدِمَ دِمَشْقَ سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثين وخَمْسِمائَة، وخَدَمَ بها السُّلْطان، وقَرُبَ منهُ، وكان شُجَاعًا فَارِسًا، ثمّ خرَجَ إلى مِصرَ، فأقام بها مُدَّةً، ثمّ رجَع إلى الشَّام، وسَكَن حَمَاةَ، واجْتَمَعْتُ به بدِمشْق، وأنْشَدَني قَصَائِد من شِعْره سنة ثمانٍ وخَمْسِين وخَمْسِمائَة.
قَرأتُ بخَطِّ مُؤيَّد الدَّوْلَة أُسامَة في كتابه المَوْسُوم بأزْهَار الأنْهَار (٢)، وقد أجازَ رِوَايتَهُ مع غيره لِجَمَاعَةٍ أجَازُوا لنا ذلك عنه، منهم: الشَّيْخ أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن
(a) هكذا في الأصل، ولعله: وبحوران. (b) لم يرد في التاريخ ابن عساكر "مُحَمّد بن منقذ". _________ (١) تاريخ ابن عساكر ٨: ٩٠. (٢) كتاب أزهار الأنهار لأسامة بن منقذ من الكب التي لم تصلنا، نقل عنه ابن العديم في موضعين وصرح فيهما بعنوانه المثبت، وقدره ابن الساعي في ثلاثة أجزاء، وذكره حاجي خليفة ونسبه إلى ابن منقذ ولم يزد على ذلك. انظر: ابن الساعي: الدر الثمين في أسماء المصنفين ٢٩٧، كشف الظنون ١: ٧٢.