وتفسيرات الحديث كثيرة كما سبق بيانه، وقد اختار بعض الباحثين المعاصرين أن الحديث ينهى عن الجمع بين عقدين أو أكثر إذا أدى هذا الجمع إلى الوقوع في المحذور الشرعي، إما لوجود الغرر، أو الربا، أو الاستغلال (١).
والأقرب في تفسير الحديث-والله أعلم- هو أن يقال: إن حرف (في) بمعنى (على)، وإن لفظة (بيعة) يراد بها السلعة أو المبيع؛ فيكون المراد هو النهي عن إجراء بيعتين على السلعة في وقت واحد بعقد واحد، وهذا يصدق على بيعها بثمنين في وقت واحد دون تحديد لأحدهما؛ وهو التفسير الأول الذي عليه أكثر أهل العلم؛ فعدم تحديد أحد الثمنين جعل السلعة كأنها بيعت بيعتين في وقت واحد بعقد واحد، وهذا فيه جهالة للثمن يؤدي إلى النزاع.
أما التفسيرات الأخرى للحديث فلا تسلم من الاعتراض، فالتفسير الثاني الذي فسر البيعتين في بيعة بأن يشترط عقدًا في عقد، يُعترض عليه: بأن الذي حصل في العقد الأول هو الشرط فقط، والبيع الثاني تم على مبيع آخر في عقد آخر، فلا يصدق تسمية هذا الشرط بيعًا.
أما التفسير الثالث الذي فسر البيعتين في بيعة بالعينة، فيعترض عليه: بأن بيع العينة معروف زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ويبعد أن ياتي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم نهى عن العينة بألفاظ تختلف الأمة في تفسيرها اختلافًا كثيرًا، وهو يعلم أن العينة أجمع لفظًا وأبين معنى، وكذا يبعد أن يترك الصحابة رضي الله عنهم وهم أهل البيان لفظ العينة البين، ويذهبوا إلى ألفاظ أخرى تحتاج إلى بيان وإيضاح، إضافة إلى أن البيع الثاني
(١) انظر: صناعة الهندسة المالية، للسويلم، ص ٣٤، العقود المالية المركبة، للعمراني، ص ٩٠، المعاملات المالية، للدبيان ١١/ ٤١٧، حكم اجتماع العقود في صفقة واحدة، لحمد فخري عزام، بحث منشور في المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية التابعة لجامعة آل البيت، الأردن، المجلد ٣ - العدد ١ - ربيع أول ١٤٢٨ هـ، ص ٧٤.