بذلك فأحببت زيارتك، فحجبت عن ذلك، فالتمست مخرج العذر من كتاب الله، فوجدت الله قد منحني ثلاث خصال: أذهب عني حرج أهلها وبي من الشوق إلى مجالستك، والاستماع لمحادثتك، ما لو كان فوقي لأظلني، ولو كان تحتى لأقلنى، فأسألك إلا ألحفتنى جناح المتفضل علي بزيارتك والسلام. قال:
أبو عامر: فقمت مع الغلام حتى أتى بي منزلا رحبا خربا، فقال لي: قف حتى أستأذن لك. فوقفت حتى خرج فقال لي: لج. فدخلت فإذا أنا ببيت له باب من جريد النخل، فإذا أنا بكهل مستقبل القبلة تخاله من الورع مكروبا، ومن الخشية محزونا، قد ظهرت في وجهه أحزانه، وقد قرحت من البكاء عيناه، ومرضت أجفانه، فسلمت عليه فرد علي السلام ثم تخلخل فلم يطق القيام، فإذا هو أعرج أعمى مسقام، فقال لي: متع الله بالأحزان لبك، وغسل من ران الذنوب قلبك، لم تزل نفسي إليك مشتاقة، وقلبي إليك تواقا، وبي جرح قد أعيا الناس دواؤه، والمتطببين شفاؤه، فلا قاله أجود الترياق وإن كان مر المذاق، فإني ممن أصبر على مضض الدواء، مخافة ما يتوقع من عظيم البلاء.
قال: فسمعت كلاما حسنا ورأيت منظرا أفظعني، فأطرقت طويلا ثم تأتى من كلامي ما تأتى، فقلت: يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء فتمثل بحقيقة إيمانك جنة المأوى، فسترى ما أعد الله فيه للأولياء. ثم أشرف بقلبك نارا تتلظى، فسترى ما أعد فيها للأشقياء، شتان ما بين المنزلتين والدارين شتان، أليس الفريقان في الموت سواء. قال: فأن أنة وزفر زفرة والتوى ثم قال: قد وقع دواؤك على دائي، وقد علمت أن عندك شفائي.
زدني يرحمك الله. فقلت: إنه عالم بخفياتك، مطلع على سرائرك. قال:
فصرخ صرخة خر ميتا. فإذا أنا بجارية قد رفعت العباءة عليها جبة من صوف قد أقرح السجود حاجبيها وأنفها، فلما نظرت إلي قالت: أحسنت يا هادي قلوب العارفين، ومثير أحزان المحزونين، لا أنسى لك هذا الموقف رب العالمين.
هذا أبي مبتلى منذ عشرين سنة: صلى حتى انحنى، وصام حتى أقعد، وبكى حتى عمي، وكان يتمناك على ربه ﷿، ويقول. سمعت كلام أبي عامر