ومَن أذعنَ للحقِّ وأَنصف (١)، وبالتجنُّبِ عن التعسفِ والتعصُّبِ اتَّصف، علِمَ أنْ ليس في هذه الآيات سوى أن الجنةَ أُعدَّت للمتقينَ والتائبينَ، أو للمتقينَ خاصةً والتائبونَ أجرُهم مغفرةٌ وجنةٌ، إما معَ سكوتٍ عن حكم المصرِّينَ، أو دلالةٍ ظنيةٍ (٢) على أنهم ليسوا كذلكَ، ولا نزاع في أن الجنةَ ليست مُعدَّةً لهم ولا جزاءَهم، لكن مِن أين البيانُ القاطعُ أنهم لا يدخُلون البتة، وأنَّه لا يجوزُ في حقِّهم التفضُّلُ والإحسان (٣)؟!
على أنَّ الكلام وارِدٌ لترهيبِ أكَلةِ الربا أولًا، وترغيبِهم في الإقلاعِ عنه ثانيًا، فالتقييدُ بعدم الإصرارِ ليلائمَ الغرضَ، فينتَفِي (٤) شرطُ مفهومِ المخالفةِ وهو أن لا يظهَرَ فائدةٌ أُخرى.
وتنكُير ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ على الأولِ يدُلُّ على أن ما لهم أدوَنُ مما (٥) للمتَّقِينَ الموصوفين بتلكَ الصفاتِ المذكورةِ في الآية المتقدمةِ.
وكفاك فرقًا بينَ القبيلين (٦): أنه فصَلَ آيتَهم بأنْ بيَّنَ أنهم محسِنون مستوجِبونَ لمحبة اللّهِ تعالى، وذلك لأنهم حافظوا على حدودِ الشرعِ، وتخطَّوا إلى التخصيصِ بمكارمه، وفصَلَ آيةَ هؤلاءِ بقوله تعالى:
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ لأنَّ المتدارِكَ لتقصيرِه كالعامل لتحصيلِ بعض ما فوَّتَ
(١) في (ح) و (ف): "وانتصف". (٢) في (م): "لأدلة ظنية". (٣) في هامش النسخ عدا (ك): "رد لصاحب الكشاف". (٤) في (ك) و (م): "فينفي". (٥) في (ف): "دون ما". (٦) في (ح): "القبيلتين".