وإبرازِهِ في صورةِ الاسميةِ، وإيرادِه على وجهٍ يفيدُ أنهُ حقٌّ واجبٌ للّهِ تعالى في رقابِ الناسِ، وتعميمِ الحُكمِ أولًا وتخصِيصِه ثانيًا؛ فإنهُ كالإيضاحِ بعدَ إبهامٍ، وتثنيةٌ (١) وتكريرٌ للمرادِ، وتسميةِ تركِ الحج كفرًا مِن حيثُ إنه فعلُ الكفرة، وذكرِ الاستغناءِ فإنه في مثلِ هذا الموضعِ مما يدلُّ على المقتِ والخُذلانِ.
وقوله: ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ بدلٌ عنه لِمَا فيهِ من مبالغةِ التعميم، والدلالةِ على الاستغناءِ عنه بالبرهان، والإشعارِ بعظم السخطِ؛ لأنهُ تكليفٌ شاقٌّ (٢) جامع بينَ كسرِ النفس، وإتعابِ البدن، وصرفِ المال، والتجردِ عن الشهواتِ، والإقبالِ على اللّه تعالى.
بقي هاهنا دقيقةٌ أنيقةٌ؛ وهي أن اللامَ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ مظِنَّةُ أن يكون في الحجِّ نفعٌ له تعالى، دفعَه (٣) ببيانِ غَنائه عن العالمين.
رويَ: أنه لما نزل صدرُ الآيةِ جمعَ رسول اللّه ﷺ أرباب الملل فخطبهم وقال: "إنَّ اللّه تعالى كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا" فآمنت به ملةٌ واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ الآية (٤).
(١) في (ح) و (ف): "وتنبيه". (٢) في (د): "مشاق". (٣) في (د): "دفع". (٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٦٢١) من طريق جويبر عن الضحاك وجويبر متروك، والخبر مرسل.