وأمَّا كونُ عيسى ﵇ مخلوقًا من غيرِ أبٍ، وآدمَ ﵇ مخلوقًا مِن غير أبٍ وأمٍّ، فخارجٌ عن مدلولِ الكلامِ وإن كان مقصورًا في تمشيةِ ما سيقَ لهُ ذلكَ، ملحوظًا من (١) غرضه بمعونةِ المقامِ؛ فإن الغرضَ دفعُ استغرابهم خلقَ عيسى ﵇ من غير أبٍ، فبملاحظةِ مَن خُلقَ من غير أبٍ وأمٍّ يتمُّ ذلك الغرضُ على وجهٍ أقوى، ولهذا تعرَّضَ لبيانِ حاله بقوله:
﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: جملة مفسِّرةٌ للتمثيل مبيِّنة لِمَا له الشبهُ؛ أي (٢): خلقِ جسدِهِ، فإنه من عالَمِ الخَلقِ، وهو عالمُ المُلكِ وعالم الشهادةِ، ثم أوجَدَ روحه بأمر:(كن) وهو عالَمُ الأمرِ، وهو عالمُ الملكوتِ وعالم الغيبِ، على ما أفصحَ عنه بقوله:
﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ وفيهِ دلالة على أن الإنسانَ كائن مرةً بعد أُخرى على ما صرَّحَ بهِ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكلمةُ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي حقيقةً.
﴿فَيَكُونُ﴾: حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا لتلكَ الحال (٣) العجيبةِ، وبيانًا (٤) لسرعة حصولِ المرادِ؛ فإن الفاءَ للدلالةِ على عدم التراخي.