للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وأمَّا كونُ عيسى مخلوقًا من غيرِ أبٍ، وآدمَ مخلوقًا مِن غير أبٍ وأمٍّ، فخارجٌ عن مدلولِ الكلامِ وإن كان مقصورًا في تمشيةِ ما سيقَ لهُ ذلكَ، ملحوظًا من (١) غرضه بمعونةِ المقامِ؛ فإن الغرضَ دفعُ استغرابهم خلقَ عيسى من غير أبٍ، فبملاحظةِ مَن خُلقَ من غير أبٍ وأمٍّ يتمُّ ذلك الغرضُ على وجهٍ أقوى، ولهذا تعرَّضَ لبيانِ حاله بقوله:

﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: جملة مفسِّرةٌ للتمثيل مبيِّنة لِمَا له الشبهُ؛ أي (٢): خلقِ جسدِهِ، فإنه من عالَمِ الخَلقِ، وهو عالمُ المُلكِ وعالم الشهادةِ، ثم أوجَدَ روحه بأمر: (كن) وهو عالَمُ الأمرِ، وهو عالمُ الملكوتِ وعالم الغيبِ، على ما أفصحَ عنه بقوله:

﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ وفيهِ دلالة على أن الإنسانَ كائن مرةً بعد أُخرى على ما صرَّحَ بهِ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكلمةُ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي حقيقةً.

﴿فَيَكُونُ﴾: حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا لتلكَ الحال (٣) العجيبةِ، وبيانًا (٤) لسرعة حصولِ المرادِ؛ فإن الفاءَ للدلالةِ على عدم التراخي.

* * *

(٦٠) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

﴿الْحَقُّ﴾: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو الحقُّ.

﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ثابتًا منه، على أنهُ حالٌ مؤكِّدةٌ.


(١) في (د): "عن".
(٢) في (ح) و (ف): "إلى".
(٣) في (د): "الحالة".
(٤) في (ح) و (ف) و (م): "وبيان".